صورة مفقودة

الآثار في بلدة الطيري

في خراج الطيري آثار كثيرة، منها بركة الحجر، وهي جبل، نحتت فيه بركتان، تصبّ مياه الواحدة في الأخرى، وعلى رأسه كرسي منقوشة في الصخر، تعرف بـ«كرسي الملك»، وفي المكان نفسه سجن تحت الأرض، منحوت في الصخر، ومؤلف من غرف عدة، منها غرفة أعدّت لتكون مشنقة، إضافة إلى عدد كبير من المغاور المنحوتة في الصخر، تنتشر في أماكن عدة.

من ناحية ثانية، يؤكد الأهالي، أن هناك في البلدة عدداً كبيراً من المغاور المنحوتة في الصخر، ويذكر مراسل جريدة السفير في المنطقة، عن بركة الحجر، أن أطلالها «تدل على ان حضارة ما مرّت يوماً منها، إلا أنه، ونظراً للتاريخ الحديث للطيري، كقرية سكنية… فإن الأهالي لا يعرفون الكثير عن آثارها.
أما عن موقع البركة، فهو عبارة عن «أطلال قلعة محصنة، ليست من بناء إنسان معاصر، فهي على ما كانت عليه منذ سُكنت البلدة، منذ أكثر من مئة عام، إلا أن تاريخها مجهول بالنسبة لسكانها، كما بالنسبة لأهالي المنطقة، فضلاً عن كتب التاريخ التي تحدثت عن المنطقة، ولم تأت على ذكرها بشكل وافٍ».
تحيط بالبركة آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية، فضلاً عن أنها تطل على ممرات طبيعية إلزامية للقوافل التجارية القديمة، بين الوديان والتلال، كما أنها تطل على بلدات حداثا، حاريص، رشاف، حانين ودبل، فضلاً عن الطيري، مما يرجح إمكانية بنائها، لحماية الأراضي الزراعية البعيدة عن الأماكن المأهولة، بالإضافة إلى مراقبة طرق العبور».
ينتشر حول الموقع، وفي داخله عدد من الآبار المنحوتة في الصخر، وهي تشبه على حدّ كبير تلك الموجودة حول قلعة دوبيه في شقراء، كما ان الصخور التي بني منها سور البركة، رغم اختلافها عن نوعية الصخر المستعمل في القلعة، إلا أن طريقة صقلها ونحتها، يشيران إلى احتمال تزامنهما بالعمر».
حول القلعة، ما زالت أقسام كبيرة من ألسور الذي بني بحجارة كبيرة، على حالها، كما جرى استغلال الجرف الصخري الطبيعي، الموجود في أقسام أخرى، كحواجز طبيعية لحمايتها، في الوقت الذي مازالت نوافذ المراقبة، التي نحتت في الصخر، قائمة أيضاً. كما ان هناك عدداً من المغر التي لم تطمر بعد.
ويؤكدالمختار السابق علي فقيه، ان «تلك القلعة تعرضت للعديد من عمليات النهب والسرقة، إن في محتوياتها، أو من حجارتها المميزة، وقد أظهرت حفريات حديثة، قام بها أهالي البلدة، رأس عمود حجري دائري، بالإضافة إلى أجران وأشكال أخرى».
ويعتبر رئيس بلدية الطيري (السابق) عطاالله شعيتو (رئيس اتحاد بلديات قضاء بنت جبيل)، ان «تلك القلعة هي عبارة عن آثار رومانية»، مؤكداً «عدم قيام أي مؤسسة لبنانية متخصصة بدراستها، فيما تعرضت تلك المنطقة لعمليات نبش كبيرة، إبان فترة الاحتلال، كما أظهرت بعض الحفر بعد التحرير»، ويقول شعيتو، أن « الموقع قد تعرض لعمليات سرقة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي»، ويكشف أن «البلدية تقوم بتحضير دراسة عن الموقع، لرفعها إلى وزارة السياحة، لإدراج الموقع ضمن خريطة الآثار اللبنانية، كما قامت البلدية بشق طريق للوصول إليها، ما زال بحاجة إلى استكمال».
بدورها كابي جعفر، وفي تحقيق لها عن الطيري، ذكرت أن المكان الذي يسمى «المشنقة»، تحيط به «مغاور بشرية قديمة، فيها قبور في كل الاتجاهات، ووجدت هياكل عظمية إنسانية في بعضها، يرتفع باب المغارة الواحدة بين 130 ـ 140 سم، وهي بالمجمل تشبه المدافن القديمة، في هيكليتها، كما يوجد فيها آبار تمتلئ من مياه المطر شتاء، وتطفو بركة الحجر لتصب في بركة تحتها، يستعملها الرعاة لسقي الماشية».
ويقال ان اليهود، أثناء تجوالهم في القرى الأثرية، وصلوا إلى بركة الحجر، وكذلك فعل بعض الأجانب، وقد أخذوا شيئاً من كنوزها، لا يعرف ما هو بالتحديد، وخلال حفر أساسات منازل جديدة، عثر على قطعة فسيفسائية لا نهاية لها، طمرت من جديد، كما اكتشفت معصرة زيتون قديمة مع كل آلياتها، واستعملت مجدداً لعصر الزيتون، وكذلك اكتشفت أنفاق طويلة تحت البيوت».
المهم ان الآثار المكتشفة في الطيري، تدل على أنها بنيت فوق أنقاض قرية، منذ مئات السنين.

وأول ما يطالع الزائر من آثارها عن بعد ، منظرها الكليّ الذي يوحي للمرء أنه يقف بإزاء قلعة حصينة بائدة .. وكلّما اقترب منها اكثر كلّما توضّحت له معالمها .
وأكثر ما يلفت النظر، ما يسمونه ” المشنقة ” !
والمشنقة هذه ، عبارة عن صخرة عمودية عريضة مغروسة في الأرض، ينتهي الجزء العلوي البارز منها بفتحة مستطيلة ، ويختفي الجزء السفلي وسط كمّ من الحجارة الهنسية المختلفة الأشكال والأحجام ، ما يشيرإلى بقايا بناء ضخم زالت معالمه منذ أمد طويل .
وإلى جوار “المشنقة ” منبسط صخري رحب ، هو بمثابة لوحة فنّية رائعة لما يحويه من معاصر وأجران وآبار محفورة في كافة أرجائه !
ولا يخلو المكان من بقايا آنية فخارية وزجاجية بائرة خافية المعالم. أمّا الصخور فتزينها بقايا نقوش ورموز متآكلة بفعل الزمن .
ولعل أكثر ما يدهش حقاً ، هذه الآبارالمحفورة في الصخر بتصاميمها وأشكالها الرائعة … فهي أشبه ماتكون بجرار ضخمة ضيقة الأعناق منتفخة الأجواف !
هذا كله في الجزء العلويّ من المكان … أمّا على الأطراف فتحتشد نواويس ومغاور بديعة الهندسة ، منها ما هو مستتر ومنها ما هو ظاهر… وجميعها قُدّ في الصخر بإزميل فنّان بارع ذي بأس !
ويمكن الدخول إلى بعضها زحفاً لضيق منفذها ، وإلى بعضها الآخر من خلال عدّة درجات حجرية .
ولكل مغارة منفذ واحد قد يكون مربع الشكل أوعلى هيأة هلال . أمّا داخلها فيحتوي على نواويس محفورة في جدرانها ، ثلاثة أو أربعة ، وأقلّها اثنان … ونادراً ما تجد ناووساً واحداً ! ولا تخلو تلك النواويس من نقوش وإشارات .. كما تتجلى فيها الدقة وروعة الهندسة !
وهناك في وسط المكان يتجلّى بيت القصيد … حيث الأثر المعروف عند العامة “بقصر الملك ” . وحيث البركة المحفورة في الصخر والتي إليها ينسب المكان… بل هما في الواقع بركتان متجاورتان متصلتان ومحفورتان في صخرة واحدة, إحداهما أكثر عمقا من الثانية . وربما المقصود بذلك القصر ، المكان نفسه الذي فيه البركتان … أو أنه المكان الذي بحذائهما مباشرة ، بدليل أن ما يعرف ” بكرسي الملك ” لا يزال اثره قائما فوق البركة الأولى مباشرة . وهو في الواقع صخرة مستديرة يظهر أن قسما منها قد اقتطع في وقت ما ، ولسبب ما …
وإلى الشرق من كرسي الملك هذا ، مغارة بديعة الهندسة لا يزال يحتفظ مدخلها بنقوش ورموز ظاهرة ويتميّز داخلها باتساعه النسبي وعدد نواويسه ، وهذه المغارة معروفة عند العامّة ” بالحبس “.
ولا تقتصر آثار بركة الحجر على ما ذكرته من معالمها الظاهرة ، بل تتعداها إلى أماكن أخرى مجاورة لا يزال الكثير منها مطمورا في جوف الأرض … وكنت في مطلع شبابي من هواة التنقيب والبحث عن الأثار بالفطرة وليس على أساس علمي أو خبرة … وكان لي صديق قديم يشاركني نفس الهواية … وفي إحدى المرّات دخلنا مغارة فوجدنا فيها كومة من العظام والجماجم الآدمية ، ما إن أمسكنا بها حتى تهشمت وتحوّلت إلى تراب ! ولم نعثر في تلك المغارة على شيء سوى ما ذكرت, وعلى بقايا مسمار غليظ من الحديد تفتّت هو الآخر يبن أيدينا بمجرد أن حركناه من موضعه .. وقد حكمنا يومها أن المغارة نهبت في زمن غير زمننا !
كما وعثرنا مرّة على جرّة فخّارية ضخمة وسميكة مطمورة في التراب ، لكنها كانت مهشّمة العنق والوسط وقد فقدت أجزاء كثيرة منها ولم نجد فيها غير بقايا عظام وزجاج وخزف وجميعها مهشمة !
هذا غيض من فيض عن جغرافية ” بركة الحجر ” … أمّا تاريخها والعصر التي عمرت فيه على وجه التحديد ، فهو متروك لأصحابه من ذوي الخبرة والاختصاص علّهم يقولون فيه كلمتهم الفصل !

اترك تعليقا