صورة مفقودة

مقدمة تاريخية عن جبل عامل

1 ـ نسب قبيلة عامله

يعود نسب عامله إلى سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وهو ما أجمع عليه النسّابون العرب، حيث يقول ابن عبد ربه، في العقد الفريد: «عامله هم بنو الحارث بن عدي بن الحارث بن مرّة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ».

بدوره ابن الأثير يقول: «الصحيح، أن عامله ولد الحارث بن عدي بن الحارث… بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان»

وجاء في كتاب الأنساب للسمعاني: «رُوي عن فروة ابن مسيك أنه قال:«أتيت النبي(ص) فقلت: «أخبرني عن سبأ، أرجل هو أم إمرأة، فقال: «هو رجل من العرب، وَلَد عشرة، تيامن (أي سكن اليمن) منهم الأزد وكندة ومذحج والأشعرون وأنمار وبجيله، وتشاءم (أي سكن الشام) منهم عاملة وغسان ولخم وجزام، وهم الذين أرسل عليم سيل العرم ـ ودفن السيل بيوتهم»، وكان حصول سيل العَرِم بين عامي 115 و145 قبل الميلاد.

وقال الهمذاني أيضاً، وفي نفس الموضوع: «فأولد عدي بن الحارث عفيراً ومالكاً، وهو لخم، وعمراً وهو جزام، والحارث وهو عامله، وأمهم رقاش بنت همدان»

أما الأصفهاني فيعتبر أن عامله تنسب إلى أم لهم، هي عامله بنت وديعه من قضاعه، يقول: «الحارث، وهو عاملة بن عدي بن الحارث، به مرة بن أدد، وأم معاوية بن الحارث عاملة بنت وديعة من قضاعة، وبها سموا عاملة»

بدوره ابن خلدون، عندما يتحدث عن القبيلة يقول: «وأما عاملة، واسمه الحارث بن عدي، وهم أخوة لخم وجذام، وهم بطنٌ متّسع، ومواطنهم ببرية الشام»

2 ــ جبل الجليل أولاً

العديد من الباحثين والمؤرخين والرّحالة، كتبوا عن هذه المنطقة، التي يبدو أنها من خلال تأريخها، والاهتمام بها، كانت لها أهمية مميزة عبر التاريخ، القديم والحديث، وحتى المعاصر، وكدليل على ذلك، فإن الشعوب والإمبراطوريات القديمة تنافست وتصارعت على احتلالها، والتنعم بخيراتها، والسيطرة على مواقعها الإستراتيجية.

وقبل أن تأخذ المنطقة اسمها، الذي أصبحت تعرف به فيما بعد، كانت تدعى بجبال الجليل (أو جبال الخليل)، فقد أورد محمد جابر آل صفا، أن هذه البلاد «دعيت بجبل الخليل، وجبل الجليل، فيما سبق، كما ورد في تاريخ الكامل لابن الأثير، وتاريخ أبي الفداء، واليعقوبي، ومعجم البلدان لياقوت وغيرهم»

ابن الأثير يذكر ما حرفيته، أن من أسمائه (أي جبل عامل) جبل الخليل، وقال: «جبل الخليل الذي يعرف بجبل عاملة»، وجبل الخليل تعريف للجليل.

وابن خلدون، يذكر ان القبيلة «لم تثبت مكانها، بل امتدت شمالاً، وحلّت في جبل الجليل، الذي دمغته باسمها…»

في الموسوعة الإسلامية، وردت نفس التسمية أيضاً، حيث جاء فيها: «… حلّت القسم الأعلى من جبال الجليل، الذي سمي منذ ذلك الحين جبل عامل» كما ذكر الحرّ العاملي في أمل الآمل، أن «جبل الجليل، جبل عامل ارض مقدسة، يقول الله تعالى في سورة المائدة، الآية 21: )ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ( (صدق)، فقد فسّرها الإمام الصادق(ع)، فقال: يعني الشام»

وقد جاء عن رسول الله تعالى(ص) أنه قال: «الجليل جبل مقدس، وأن الفتنة لما ظهرت في بني إسرائيل، أوحى الله تعالى إلى أنبيائهم ان يفروا بدينهم إلى جبل الجليل»، وورد عن أبي ذر قوله: «فإن أرض الشام أرض الهجرة، وأرض المحشر، وأرض الأنبياء»

وهذه القداسة جعلت صاحب أمل الآمل، يعدّها من بين الأسباب لكتابة كتابه، فقال: «كثرة من دفن فيها من الأنبياء والأوصياء والعلماء، والصلحاء، فإنهم لا يعدّون ولا يحصون»

يضاف إلى ذلك أن أرض الجليل كانت ميداناً لدعوة السيد المسيح(ع)، ويقال ان البشارة الأولى بالإنجيل، كانت في عرس قانا الجليل، وعندما بدأ يستعمل معجزاته، في إحياء الموتى، وشفاء المرضى، نجد أهالي صور وصيدا، كانوا يأتون إليه لشفاء مرضاهم، يقول مرقس: «والذين حول صور وصيدا، وجمع كثير إذ سمعوا كم صنع أتوا إليه»

وفي تجواله في بلاد الشام، كان يزور باستمرار تخوم صور وصيدا، ويمرّ فيما بين المدن العشر إلى بحر الجليل»

3 ــ قبيلة عاملة

قبل أن تنتقل قبيلة عاملة، إلى المنطقة التي أصبحت تعرف فيما بعد باسمها، فإن المؤرخين استفاضوا في الحديث عنها، على أنها كانت إحدى القبائل التي هاجرت من اليمن بعد حصول سيل العرم، الذي يختلف الإخباريون حول تاريخ حدوثه، لكن المتفق عليه، أن أحداً منهم لا يعيده إلى أبعد من القرن الرابع للميلاد. وقبل هذا التاريخ، ورد إسم القبيلة، مع غيرها من القبائل العربية الأخرى، كما سنرى.

لقد وردت لدى الطبري إشارة، تربط بين القبيلة المذكورة والعماليق، حيث يقول: «ان إسماعيل حمل رسالة إلهية إلى قبيلة العماليق، وقبائل اليمن، وهذا يعني أن هذه القبيلة كانت موجودة ومعروفة، قبل زمن إسماعيل وإبراهيم، وهي إحدى تسع قبائل، يجعلها النسابون من العرب العاربة، الأصليين في العروبة، (بعكس العرب المستعربة)، والقبائل هي: عاد، ثمود، أميم، عبيل، طسم، جديس، عمليق، جرهم، وبار»

وقد اقترن ذكر قبيلة عاملة، بانتسابها للعماليق، عند عدد كبير من المؤرخين، كابن الأثير، والطبري والنوري والمسعودي، الذي يقول: «من أهل عاملة من العماليق…» والطبري الذي يقول: «ويقال العمليق، من عاملة العماليق».

والعماليق كانوا يحكمون مصر في زمن يوسف، ثم انتقل الحكم إلى المصريين، والنصوص العبرية تشير إلى أماكن وجود العماليق، في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، حيث حاربوا الإسرائيليين على حدود مصر.

والقرائن الموجودة في ارض عاملة، تثبت هوية هذه الجماعة من الرعاة (الهكسوس)، التي امتلكت قوة استطاعت بها السيادة على أرض مصر، طوال قرن ونصف قرن من الزمن تقريباً.

المسعودي، يكرّر في موضع آخر، ارتباط قبيلة عاملة بالعماليق، الذين كانوا جماعة حرب وغزو، برغم أنهم كانوا رحومين مع أعدائهم، فيقول: «أن الزبّاء بنت عمرو بن ظرب، بن حسان بن أذينه بن السميدع، ملكة الشام والجزيرة من أهل بيت عاملة من العماليق»

ويعلق يوسف حوراني على ذلك فيقول: «هكذا تكون قبيلة عاملة وحدها بقيت من العماليق، فغدت وكأنها اسم آخر لهم، ووجود هذه القبيلة لم يكن أقل انتشاراً من أسلافها العماليق، وقد لاحظ ذلك المؤرخ جواد علي، الذي يقول: «ويذكر الإخباريون أن بطوناً من عاملة كانت في الحيرة، كما أن بعضاً منها كانت خاضعة للزباء، وإذا صحّ زعم الإخباريين هذا، فإنه يدل على قدم وجود هذه القبيلة في بلاد الشام والعراق، لكننا لا نجد لها ذكراً، مثل أكثر القبائل الأخرى، في كتب الكلاسيكيين».

لقد أصاب عندما أفترض قدم وجود هذه القبيلة في بلاد الشام والعراق، فهي إن لم يرد لها ذكر في كتابات اليونان والرومان، فقد ورد ذكرها مع قبائل عربية أخرى، في سجلات آشور، في القرن الثامن قبل الميلاد، وقد غاب اسم (عماليق) عن هذه السجلات، مما يعني انها غدت التسمية الجديدة لها»

إن سجلات تغلات بلاصر، العائدة إلى سنة 728 ق.م، تورد تعداداً للقبائل التي تغلب عليها في البادية، فنجد منها قبيلة «عاملاتو»، التي ينسب إليها سكان جنوب لبنان، حيث تدعى البلاد «جبال عاملة»

وهذه اللوحة تعتبر أقدم ذكر لهذه القبيلة، وللأرض التي نزلت عليها، وحطّت رحالها فيها، هذه الأرض التي كانت بالفعل، طوال التاريخ القديم، مركز الدفاع الأول عن مصر، ونقطة الصراع الدائم بين سلطات أرض الرافدين، أو آسيا الصغرى من جهة، وسلطان وادي النيل من جهة مقابلة.

ونحن نفترض، أن إلى ذلك العهد تعود ظاهرة استيطان «الحوريين»، وإنشاء تحصينات لهم، كما تبدو آثارها على تلال مثل: حبوش وشارما (في منطقة النبطية» والقوزح وعيثا الشعب (منطقة الشِّعب وسمو في وعين داما وكوا (في منطقة بنت جبيل)

وإن إنشاء حصن، يشرف على طريق للمركبات الآتية من الساحل الفلسطيني، إلى الداخل السوري، يفيد أن هذه الطريق كانت تستعمل يومياً، وبحركة ناشطة، تتطلب المراقبة الدائمة، من قبل السلطات المسؤولة، وعندما نعرف ان اسم هذه الطريق، هو «الطريق السلطاني»، وهو يمرّ شرقي بلدة يارون، آتياً من شمالي مدينة عكا، عبر جبال الجليل، ثم يجتاز عبر بلدة عترون (عيثرون)، إلى ضواحي مرجعيون، قبل أن يستدير إلى الشرق نحو بانياس، أو يكمل عبر سهل البقاع»

في عهد الملك تحوتمس الثالث، يبدو من خلال النص الذي وُجد محفوراً على جدار معبد الكرنك، أن عدة قرى في الجنوب اللبناني قد نهبها، ومنها: عناة (يبدو أنها عيناثا) وبيت عناة (يبدو أنها بنت جبيل)، وقدَس المطلّة على بحيرة الحولة وهي في جوار بلدة عيثرون الجنوبية، وغنية بآثارها وبقايا معبدها، والتقاليد المتّبعة للدخول إلى حرمة»، وهكذا يبدو واضحاً ان تحوتمس وصل في حملته المذكورة هذه إلى المنطقة.

في الألف الأول قبل الميلاد، كان الجنوب اللبناني عامراً، مكتظاً بالساميين، ومزهراً جداً، ويبدو ذلك من خلال سجلات شلمناصر الثالث 858 ـ 828 ق.م، الذي يقول، في سجله عن حروبه مع الآراميين في جنوب لبنان: «مشيت حتى جبال «بعلي راسي»، الذي هو رأس، وأقمت هناك نصباً مع صورتي كملك، في الوقت ذاته، تلقيت ضرائب صور وصيدا وسيحو ابن غمري»، ويعلق يوسف حوراني على ذلك فيقول: «لدينا رأسان مشهوران في جنوب لبنان: الأول «رأس الناقورة» على البحر، والثاني «مارون الراس»، وعندما نترجم كلمة «مار» بمعناها «السيد أو البعل»، وتعتبر اللاحقة «أون» أي «المقام»، يصبح معنى مارون الراس: «بعلي راسي».

وهكذا يرجح أن يكون هذا الموقع، هو ما قصده الملك المحارب، وليس الناقورة، لأن الجيش الآتي من الشرق، مع عربات، لا يسهل عليه الوصول إلى رأس الناقورة، خلال الغابات والممرات الضيقة».

في القرن الثامن من قبل الميلاد، ورد اسم قبيلة «عاملة» للمرة الأولى، خلال النصوص الآشورية، وكانت المنطقة، في عداد المناطق التي أخضعها الملك تغلات بلاصر الثالث، (745 ـ 727 ق.م) لسلطته، وفي أواسط الألف الأول قبل الميلاد، كان الكلدانيون في المنطقة، وقد سجّل ملكهم «نبوخذ نصّر» الثاني، حصاراً عند مدينة صور، دام حوالي 13 عاماً (585 ـ 572 ق.م)، ولا يعرف إذا كان هذا الملك قد وصل إلى مناطق الثغور، كمنطقة بنت جبيل وجوارها.

في القرن السادس قبل الميلاد،نشأت دولة الأنباط، وبلغت أوج ازدهارها خلال القرن الرابع قبل الميلاد، واتخذت من البتراء عاصمة لها، وكانت هذه الدولة تمتد من نهر الفرات شرقاً إلى البحر الأحمر غرباً، وتشمل مناطق: دمشق، سهل البقاع، جبل عامل، والأقسام الشرقية والجنوبية من فلسطين وحوران وآدم ومدين…».

وإذا ما كانت مدين هي قرب قرية قَدَس (من القرى السبع) قرب بئر شعيب، وقرب يوشع، فهذا يؤكد أن المنطقة كانت تتبع تلك المملكة.

تجدر الإشارة، أن عبادة أهالي المنطقة في تلك الفترة، كانت عبادة وثنية، فعبادة الأصنام كانت هي الشائعة بين عرب شبه الجزيرة العربية، ومن بينها عاملة، فكان لها صنم يدعى «الأقيصر»، نصبته في مشارف الشام، وكانت تحجّ إليه، ويحلقون رؤوسهم عنده»، وشاركتها في عبادة هذا الصنم اخواتها من قضاعة ولخم وجزام وغطفان

ثم كان الدور الفارسي، في المنطقة، وتشير الأخبار إلى سقوط كل المدن الرئيسية بأيدي قورش، الذي كان قد أسس الإمبراطورية الفارسية سنة 539ق.م.

لكن ما لبثت هذه المدن، وبعد قرنين من الزمان، أن سقطت بأيدي الاسكندر المقدوني، الذي زحف إلى المنطقة، ربيع 334ق.م، وهزم الفرس، وانتصر عليهم، وفتحت المدن في المنطقة أبوابها له»

ويبدو أن المنطقة الجنوبية كان فيها سكان عرب، عندما أتى الاسكندر إليها، وفي هذا الصدد يقول أسد رستم: «والاسكندر الكبير، إذ تحدّته صور، وصمدت في وجهه، واضطر أن يحاصرها حصاراً طويلاً، أحبّ في يوم من أيام الحصار، أن يروّح عن النفس برحلة صيد قصيرة، فقام من ضواحي صور ممتطياً جواده، واتجه شرقاً، متسلقاً جويا وتبنين، فوجد نفسه بين قوم من العرب، هكذا يقول اريانوس، أقدم من أرّخ للاسكندر، وأقرّ بهم إليه زمناً

في أوائل القرن الأول للميلاد، زار استرابو المنطقة، وقال: «ان منطقة الجليل مسكونة بمجموعات مختلطة من الشعوب، من مصريين وعرب وقبائل فينيقية»

يلاحظ هنا ان الفرس واليونانيين، الذين شغلوا هذه المنطقة، لم يتركوا أسماء معينة على آثارهم، مع أنها ضخمة وهامة في بعض المواقع.

في بدء الدعوة المسيحية، كانت أرض الجليل ميداناً لدعوة السيد المسيح(ع)، ويقال أن البشارة الأولى بالإنجيل كانت في عرس قانا الجليل، وعندما بدأ يستعمل معجزاته في إحياء الموتى، وشفاء المرضى، نجد أهالي صور وصيدا يأتون إليه لشفاء مرضاهم، ويقول مرقس في هذا الصدد: «والذين حول صور وصيدا، وجمع كثير إذ سمعوا كم صنع، أتوا إليه»

هذا المرور لا يجزمه قطيعياً البعض، إنما يعتبرون أن «الدلائل الأثرية الرومانية والبيزنطية في بلدة يارون (على بعد 3 كلم جنوب بنت جبيل)، وتلة شلعبون (على بعد 1 كلم غرب المدينة وضمن أراضيها، وعلى طريق عين إبل) أثارت اهتمام الرحّالة الذين زاروا الأراضي المقدسة، فزاروها وقدموا شروحاً مستفيضة عن معالمها، نذكر منهم الرحّالة الانكليزي ادوارد روبنسون، والفنان الألماني كارل وليم فان دي فلد، والباحث في الآثار الفرنسي أرنست رينان، والمستشرق الفرنسي فرانسوا صولسي، وأكدت المنشورات التي قدّموها إلى التواصل الحضاري لهذه المنطقة، مع الأراضي المقدسة في فلسطين»

بعد رفع السيد المسيح(ع) إلى السماء، كان الجليل الملجأ الآمن لتلامذته، وخاصة لوصيّه شمعون الصفا(ع)، هذا الوصي الذي كان يتكلم اللغة العربية، إلى جانب لغته الأصلية الآرامية، ويظهر ذلك من خلال ما جاء في الفصل الأول من أعمال الرسول، ومن تسمية ابنه اسماً عربياً»

وانقسم أتباع المسيح إلى فئتين كبيرتين، فئة تزعّمها بولس، الذي تربطه علاقات متينة بكهنة اليهود والسلطة الرومانية وفئة ثانية تزعّمها شمعون الصفا، ابن عمة السيدة مريم(ع)، ووصي عيسى وخليفته، واشتد الضغط الروماني اليهودي على شمعون الصفا، فأخذ يتنقل في البلاد،وقبيل استشهاده في أرض الجليل، كتب لشيعته كتاباً سمي بـ «الزاجرة»من إملاء عيسى ابن مريم، يخبرهم فيه عن خروج نبي من بلاد العرب، يعرف بـ«البارقليط» يعني أحمد

وكان الجاحظ، المتوفى سنة 255هـ، أول من تحدث عن تنصّر قبيلة عاملة، وغيرها من قبائل عرب الشام، ويقول: «هذا مع ما كان في العرب من النصارى، الذين يخالفون دين مشركي العرب كل الخلاف، كتغلب وشيبان وعبد القيس، وقضاعة وغسان وسليح والعباد، وتنوخ وعاملة ولخم»

كما ذكر بعض المؤرخين أخباراً عن تنصر القبيلة، حيث يقول جواد علي: «ومن القبائل التي يحشرها أهل الأخبار في جملة العرب المنتصرة:غسان وتغلب وتنوخ ولخم، وجذام وسليح وعاملة»

إن كثيراً من الآثار الموجودة في المنطقة، تعود إلى العهد الروماني، وهي عبارة عن مساكن وأنصاب وكتابات، دون أسماء مميزة، أو بالأسماء السامية القديمة لمواقعها، مثل تلك الموجودة في يارون، ويعتر (ياطر)، عين إبل ودبل وغيرها، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن آثار بنت جبيل الموجودة قرب الجامع الكبير، هي رومانية، وقد نقش على بعضها كتابات تحمل اسم الإمبراطور الروماني سبتيموس سفيروس وعبارات مثل: «هذا بيت الرب»، وهي لا تزال ماثلة للعيان حتى الآن.

ونشير ان المنطقة كانت خاضعة للإدارة الرومانية، في نفس الفترة التي كانت فيه مدينة تدمر تحت السلطة الرومانية أيضاً، خاصة منذ سنة 41ق.م، ثم أصبحت جزءاً من المقاطعة العربية، التي شكّلها الإمبراطور تراجان سنة 105 ـ 106م»

وفي فترة لاحقة كانت المنطقة تحت سيطرة الإمبراطور الروماني سبتيموس سفيرونس، الذي حكم بين سنتي 193 ـ 211م، وهذا ما تؤكده الآثار الموجودة في أكثر من مكان في المنطقة، ومنها في بنت جبيل، بناء لتحليل النص الموجود على حجارة في منزل قرب الجامع الكبير، ترجمتها: «من (الإمبراطور) أغسطس سبتيموس سفيروس»، و«تحت إشراف نيكو ستراتوس الكاهن الأكبر و…» و«بنى المعبد»

4 ــ إسلام قبيلة عائلة

لا يوجد عند النسّابه العرب، ولا في الكتب التاريخية القديمة، أي ذكر محتّم للفترة الزمنية التي نزلت بها عاملة أرض الجليل، الأرض التي أصبحت تعرف بجبل عامل، أو جبل عاملة، أو جبال عاملة، لكن هناك اجتهادات حول هذا الموضوع، وعلى سبيل المثال لا الحصر، يقول خليل عثامنه، ان نزول عاملة في جبل الجليل كان بعد القرن الرابع الميلادي، مضيفاً: «ويذكر شهيد، أن قبيلة عاملة، كانت في القرن الرابع للميلاد، تجاور قبيلة جذام في جنوب فلسطين والأردن، وأنها انتقلت فيما بعد، واستقرّت بالجليل، الذي أطلق عليه جبل عاملة، على اسم هذه القبيلة»

أول ذكر للقبيلة في العصر النبوي، ظهر في السنة الثامنة للهجرة، إذ كانت مع غيرها من قبائل العرب مجتمعة في الطرف الجنوبي لبلاد الشام، فبلغ خبرها النبي(ص)، فأرسل سرية، بقيادة عمرو بن العاص، فهاجمهم، وفرّق جمعهم، يقول البلاذري في هذا المجال: «فلقي العدو، من قضاعه وعامله ولخم وجذام، وكانوا مجتمعين ففضّهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وغنم…»

ويقال ان سرية أسامة بن زيد سنة 632م، كانت إلى آبل الزيت (ويمكن أن تكون هي نفسها آبل القمح في جبل عامل) وإلى عيون (وربما تكون مرجعيون»

وبقي أسامة بن زيد يغزو في نواحي آبل الزيت أربعين يوماً، وقيل سبعين، حتى قدمت جيوش الفتح إلى الشام، فرجع بسريته إلى المدينة المنوّرة.

هكذا دخلت عاملة في الإسلام، وكانت تتوزع بين جندي دمشق والأردن، وكان المكلف بفتحها ثلاثة: يزيد بن أبي سفيان، لمنطقة صيدا وجزين والنبطية والبقاع الغربي، وشرحبيل بن حسن لمنطقة قَدَسْ والشقيف وتبنين وصيدا أيضاً، وعمرو بن العاص، لفلسطين والساحل العاملي إلى مدينة صور»

ثم شاركت عاملة مع القبائل العربية مع المسلمين ضد الروم بعد معركة اليرموك وغيرها.

ويذكر ان عمرو بن العاص فتح مرجعيون سنة 636م، ولا يعرف إذا كانت منطقة جبل عامل قد فتحت على يد شرحبيل بن حسنة، الذي وصل إلى قدس وتبنين، أو على يد عمرو بن العاص، الذي وصل إلى مرجعيون.

وعندما دخلت جبال عاملة بأكملها في الإسلام، وفتحت جميع مدنها وقراها سنة 636م، ولّى عمر بن الخطاب، يزيد بن أبي سفيان على الأردن وفلسطين، وأصبحت مناطق صور وقدس وتبنين ومرجعيون، تحت إمرته، وولّى أبا الدرداء على دمشق، فأصبحت منطقة صيدا وجزين والنبطية والبقاع الغربي خاضعة له»

لكن علي الزين يعتبر أن وصول الإسلام إلى لبنان، كان بعد سنة 640م»

5 ــ تشيع جبل عامل

يقول البلاذري، وغيره من المؤرخين، أن تشيّع أهالي جبل عامل، تمّ على أيدي الصحابي الجليل أبي ذرّ الغفاري، الذي نفي إلى الشام، حيث كان فيها معاوية بن أبي سفيان، الذي حاول إغراءه لإسكاته، فلم يفلح، فأخرجه معاوية إلى قرى الشام، تحديداً إلى جبل عاملة، «فجعل ينشر فيها فضائل أهل البيت(ع)، فتشيع أهل تلك الجبال على يده، فلما علم معاوية، أعاده إلى دمشق، ثم نفي إلى المدينة» ولا يزال لأبي ذرّ مزارات معروفة، في بلدتي الصرفند وميس الجبل.

ومن المتداول لدى بعض المؤرخين، أنه عندما نفي أبو ذر من قبل معاوية، فإنّه حلّ في قرية» الصرفند، وفي قرية «ميس الجبل»، وهي من قرى جبل عامل الواقعة على الحدود الشرقية لفلسطين، واتخذ منها منطلقاً لدعوته في نشر الفكر الشيعي»

لكن ما أخّر ظهور التشيع في جبل عامل أحياناً، وحسب البعض، فكان سببه الظروف السياسية، حيث كان الشيعة لا يزالون معتصمين بالتقية، متكتمين في أمرهم، وانه لم يسبق أهل جبل عامل في التشيع إلا بعض أهل المدينة، وكثرت فيه العلماء من القرن السادس إلى اليوم…، ولا يوجد قرية من قراه لم يخرج منها جماعة من الفقهاء والفضلاء الامامية»

يحاول بعض المؤرخين ان يعزوا شيعة جبل عامل إلى العنصر الفارسي، واستدلوا على ذلك من وحدة المعتقد، بين شيعة جبل عامل وشيعة إيران، ليس هذا فحسب، بل انهم يردون أيضاً كل شيعة لبنان إلى هذا العنصر الفارسي، ومن أهم هؤلاء طنوس الشدياق، في كتابه «أخبار الأعيان في جبل لبنان» الجزء الأول، أما رينان، فاعتقد ان بعض العائلات في جبل عامل، نقلها معه صلاح الدين الأيوبي، وهي كردية الأصل، وإلى هذا اتجه الأب لامنس في أول أمره»

ويعقّب على هذا الرأي، المؤرخ الفرنسي دومينيك شيفالييه، الذي يدحض افتراض الأب لامنس، ويقول: «ان هذه الفرضية هي ضعيفة وهشّة إلى أبعد حدّ، ذلك انه في تلك الفترة، كانت المقاطعات والمناطق الإيرانية بعيدة كل البعد، عن أي اثر للتشيع فيها على الإجمال»

تشير مجلة المشرق، في موضع آخر، ان الأب لامنس «تراجع عن آرائه هذه، بعد اطلاعه على الحقائق الواردة في رحلة ناصر خسرو، التي أشار إليها لامنس نفسه»

وبعد أن يتحقق لامنس من دراسة العناصر الساكنة في جبل عامل، يخطو خطوة جديدة ليقول بجرأة ووضوح: «يجب ان نعد بني عاملة من سلفاء متاوله لبنان، أما زعم كريستي، في أن لغة العامليين العامية، فيها آثار من اللفظ الفارسي، فقد يكون أمراً نتج عن اتصالهم بجامعات النجف وكربلاء، ولزياراتهم لحواضر الشيعة، التي لا تخلو من سكان فرس، فقد كانوا يقصدون هذه الحواضر صغاراً، طلباً للعلم، ويعودون للوطن بعد اكتهالهم»

وبالفعل فإن طلاب العلم الذين يذهبون إلى جامعات النجف وقم، يتأثرون باللهجة العراقية أو الفارسية، فينقلونها معهم إلى البلاد بعد عودتهم.

وعلى هذا الأساس، فإنه من المؤكد، ان التشيع في جبل عامل، هو بعيد كل البعد عن التأثر الفارسي، وكان التشيع فيه قبل القرن الرابع الهجري، في الوقت الذي كانت فيه إيران سنّيّة المذهب، في غالب بقاعها، كما يؤكد معظم الباحثين، ويولي الشيخ محمد جواد مغنية الأمر أهمية بالغة، ويعالجه من زاوية أخرى، حيث يؤكد ان من نشر التشيع في إيران «هم عرب، لأنهم سادة أشراف من نسل الإمام موسى بن جعفر، وهؤلاء لا يمكن بحال ان يتعصبوا للأكاسرة، والذين يجوز في حقهم ذلك هم قدماء الفرس، وهؤلاء جلّهم كانوا على مذهب التسنن، إن الذين نشروا التشيع، وناصروه في إيران، هم بين عربي أصيل، كالإمام الرضا(ع) والأشعريين، أو من أصل عربي كالصفوية، وان الذين دعموا التسنن وناصروه هم فرس أقحاح، كالبخاري والنسائي والرازي وغيرهم»

كما يؤكد هذا الرأي الأمير شكيب ارسلان، الذي يعتبر ان «التشيع في جبل عامل هو أقدم في العجم، بل في كل قطر، حاشا الحجاز، فمن الحقائق التي لا خلاف فيها، ان التشيع في العجم أحدث منه في سائر بلاد الإسلام»

كما أثبت ان التشيع ظهر في العجم في زمان بثّ الدعوة العباسية في خراسان.

ورغم هذه التأكيدات، ينبري البعض مؤكداً عكس ذلك، ويذكر إسماعيل علي، المدرّس بالمدرسة الخديوية، ومدرّس علم تقويم البلدان بالجامع الأزهر الشريف، عند ذكر سورية، في كتابه «التحف الأزهرية في تخطيط الكرة الأرضية» ما لفظه، «فمن سكان الشام العرب والترك والمتاولة والسريان والدروز واليهود والموارنة، والروم والإفرنج»، ثم قال بعد ذكر العرب والأتراك: «المتاولة فريق من الشيعة، وهم من أصل فارسي، وتنظم إليهم فرق من الملاحدة، كالنصيرية والإسماعيلية، وعدتهم جميعاً ثلاثماية ألف نفس تقريباً…»

ويردّ عليه السيد محسن الأمين، مؤكداً ان الشيعة في بلاد الشام، ويسمون المتاولة، عرب صميمون، عريقون في العروبة، وأعرق فيها، من جميع سكان سورية، لأنهم من نسل عاملة بن سبأ، العربي الصميم، ولا علاقة لهم بالفرس، فمن أين وأنّى قلت انهم من أصل فارسي، وكأنك لما سمعت قومك المصريين العوام، يسمون الشيعي «عجمي»، ظننت أن كل شيعي هو فارسي، أو من أصل فارسي».

ولتأكيد قدم التشيع في جبل عامل، يقول الشيخ أحمد رضا أن «قِدَمَ التشيع في هذا القطر (يعني جبل عامل)، يمتد إلى خلافة عثمان، وإلى عهد نفي أبي ذر».

أما الحرّ العاملي، صاحب «الوسائل»، وهو من أعظم الثقاة، ومن أجلاّء أهل زمانه، فيؤكد ان تشيع العامليين «أقدم من تشيع غيرهم، فقد روى أنه في زمن عثمان، لما أخرج أبا ذر إلى الشام، يقي أياماً، فتشيع جماعة كثيرة، ثم أخرجه معاوية إلى القرى، فوقع في جبل عامل، فتشيعوا من ذلك اليوم… ثم لما خرج الرضا(ع) إلى خرسان، تشيع كثير من أهلها، وذلك مذكور في التواريخ والأحاديث، فظهر أنه لم يسبق أهل جبل عامل إلى التشيع، إلا جماعة مخصوصة من أهل المدينة، وقد كان أيضاً في مكة والطائف واليمن، والعراق والعجم شيعة قليلون، وكان أكثر الشيعة في ذلك الوقت أهل جبل عامل» انتهى لفظه ومن عرف ما كانت تشتمل عليه مكتبة صاحب الوسائل، وعَرَف ما أنفقه من عمره الشريف، في التصنيف والتأليف والضبط، جزم بكل ما مرّ في كلامه.

6 ــ التسمية ببلاد بشارة

من المؤرخين من أطلق على جبل عامل إسم «بلاد بشارة»، أي القسم الجنوبي من جبل عامل، متجاهلاً بذلك قسمه الشمالي، أي بلاد الشقيف، ولذلك تتعدد الروايات حول هذه التسمية، إلا أن المؤرخين، يتوافقون كلهم تقريباً على أن التسمية هي نسبة لحسام الدين بشارة بن أسد الدين العاملي «من أمراء صلاح الدين»، وأن هذا الأخير كافأه بإعطائه خيط بانياس، لمساعدته للسلطان في مجاهدة الفرنج، ويردّ السيد محسن الأمين التسمية إلى أمير هذه المنطقة بشارة بن مقبل القحطاني»، وهناك رأي يقول: «بشارة، المنسوبة إليه بلاد بشارة، هو «معني الأصل»، وأنه الأمير بشارة بن معن». أما فانديك الأميركاني، فيقول في تحديده لجبل عامل: «ان بلاد بشارة هي إلى الجنوب الشرقي من صور، وأكثر أهلها متاولة، وقاعدتها تبنين»

ويعترض الشيخ علي السبيتي على هذا الافتراض، مؤكداً ان «صور ليست خارجة عن بلاد بشارة، وان حدود هذه البلاد تقع بين خيط بانياس إلى البحر من جهة، وبين الناقورة ونهر الأولي من جهة ثانية»

7 ــ التسمية ببلاد المتاولة وغيرها

سميت هذه المنطقة بـ«بلاد المتاولة»، وذلك نسبة للشيعة الإمامية الذين يسكنونها، والذين يسّمون بـ«المتاولة»، وإطلاق هذا الاسم على هذا الجبل، يعيده الشيخ أحمد رضا إلى أواخر القرن الثاني عشر للهجرة، حين كان أبناء هذه البلاد من الشيعة يلقبون أنفسهم ببني متوال»، لما في هذا اللقب من الإشارة إلى مذهبهم، وكانوا في ذلك العصر يفتخرون بهذا اللقب، وشاعرهم الزجلي في ذلك الوقت يقول في قصيدة طويلة:

لا بني متوال ظهر العاديات                من ظهور الخيل يمضون الصقال
ما يفوت المير ديرتنا حرام                  ولو نبت من فوق طربوشه نخل

لكن من يراجع تاريخ الأزمنة للدويهي، وتاريخ الأمير فخر الدين للصفدي، يبدو له أن هذا اللقب، كان يطلق على العامليين، منذ أوائل القرن الحادي عشر، غير أن اللبنانيين في الشمال، كانوا يقولون «متاولة»، كما في تاريخ الدويهي والشهابي، والفلسطينيين يقولون «بني متوال» كما في تاريخ الصفدي»

يلاحظ أن هذا اللقب يختص بشيعة جبل عامل وبعلبك وجبل لبنان، أو كسروان، وتلقيبهم بذلك، كما يقول السيد محسن الأمين: «إما لأنهم كانوا يقولون في حروبهم» «متّ وليّاً لعلي» أو «لتوليهم علياً وأبناءه»

ويؤكد على هذا الرأي شكيب ارسلان، نقلاً عن الأستاذ محمد عبده المصري، أما المؤرخ لويس زوان، فيؤكد ان التسمية بالمتاولة «تعود إلى كلمة «تولّى»»

أما المؤرخ الفرنسي دومينيك شيفالييه، فيسميهم بـ«الشيعة الإمامية»، نسبة إلى الأئمة الاثني عشر، الذين يبتدئون بالإمام علي بن أبي طالب، وينتهون بالإمام الغائب الثاني عشر، محمد بن الحسن المنتظر»

كما يطلق على الشيعة اسم «الاثني عشرية»، نسبة إلى الأئمة الشيعة الاثني عشر.

وهناك تسمية أخرى، تطلق على الشيعة في جبل عامل وغيره، وهي: «الجعفريون»، نسبة إلى الإمام جعفر الصادق، صاحب المذهب الجعفري، وصاحب المدرسة، التي تخرج منها كبار الأئمة، ومنهم أئمة المذاهب الأخرى.

أما تسمية جبل عامل بـ«لبنان الجنوبي»، فهي حديثة، منذ الاحتلال الفرنسي للبنان، وبعد أن ضمت إليه بشكل رسمي منطقتا جزين وحاصبيا،ومن الطبيعي أن تجد هذه التسمية من يعترض عليها، خاصة وان هناك قناعة راسخة لدى سكانها، وهي إلتصاق التسمية (جبل عامل) بالتاريخ وبالذاكرة وبالشيعة، ساكنيها على وجه الخصوص، وفي هذا السياق تورد مجلة العرفان ما يلي: «أسموه لبنان الجنوبي، وجاراهم على ذلك الإطلاق الحكومي بعض الوطنيين من أبنائه، ومع أنه من اللازم الاحتفاظ بالاسم القديم (جبل عامل)، لأن له تاريخاً، وله أمجاد، وله ذكريات، نريد الاحتفاظ بها والحرص عليها، ولم يدخل في جبل عامل من الجنوب، ما هو خارج عنه سوى حاصبيا وبعض قراها، لأنها من وادي التيم، وهناك قرى قليلة من جزين»

وبنفس التوجه، يقول محمد تقي آل فقيه: «وإذا سمي جبل عامل، لبنان الجنوبي عند الاحتلال، وسمي هو لبنان الكبير، وسمي لبنان الأصلي، لبنان الصغير، وسمي جبل عامل في المدة الأخيرة (الأربعينيات) بالجنوب، حتى شاع ذلك، وحتى استعمله نوابه في بطاقاتهم، فإن ذلك لا ينسيه اسمه الأصلي، والتاريخ لا يغفل عن الإشارة إلى هذه الأهداف»

يبقى أن نشير، إلى أن اضطراباً يحدث في تحديد الانتماء المذهبي لحسام الدين بشارة، فهل كان حسام الدين المذكور، وأبناؤه، مسلمين متسننين، أم أنهم كانوا على المعتقد المذهبي للغالبية العظمى من سكان جبل عامل؟» ان المسلّم به، لدى معظم المؤرخين، ان الناصر صلاح الدين قد اضطهد المعارضة الإسلامية، وتحديداً الإسماعيلية والإمامية الاثني عشرية، وهذا واقع تاريخي، إلا أن السياسة التي اعتمدها السلطان مع المسلمين، غير القائلين بالمذاهب الأربعة، لم تكن ثابتة»

8 ــ المساحة والحدود

اختلف المؤرخون والكتّاب حول تحديد مساحة هذه المنطقة وحدودها، فمحمد جابر آل صفا يعتبرها «ثلاثة آلاف كلم2»، ويتفق معه كل من علي الزين وحسن الأمين، على اعتبار ان متوسط طول هذا القطر، من الجنوب إلى الشمال يبلغ نحواً من ثمانين كيلو متراً، ومتوسط عرضه نحواً من أربعين، هذا إذا جُعل منتهاه من الشرق الجنوبي ضفة بحيرة الحولة، ومن الشمال الشرقي منتهى جبل الضهر، إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط.

هنا ترتسم حدود جبل عامل بشكل واضح، لكن إذا تمت زيادة بعض المناطق إليه، فمعنى ذلك ان المساحة ستكون أكثر من ثلاثة آلاف كلم، كما سبق.

يذكر ان الحدود قديماً كانت تختلف عما حصل في فترة لاحقة، «حيث تدخل في حدوده، إضافة إلى صيدا وجزين قسم من قرى عكا»، وقد جاء في كشكول يوسف البحراني، في مقام تعداد قرى جبل عامل، أنه كلّف بعض العامليين،وهو من قرية أنصار، كما يظهر،بتعداد قرى جبل عامل، فعدّها وعدّ منها (الجيّة)،وهي قرية بين صيدا وبيروت، وعدّ منها مشغرة، ومما يذكر أنه يوجد في بلدة الجية، بعض الشيعة، وجلّهم من آل الحاج. أما بالنسبة لمشغرة، ففي عدة كتب من كتب الرجال، يتم التعرض للشهيد الأول، فيذكرون جزيناً، ويقولون قرية من جبل عامل… وكذلك يعبّرون عن علماء مشغرة وصفد»

وهناك من يعتبر أن امتداد جبل عامل في الماضي، أشرف على طبرية، وحاذى بذلك الأردن، وأصبحت جبال الجليل تُنمى إليه، وهذه الجبال هي الأماكن الأولى التي سكنتها قبيلة عاملة»

يتضح ان الاختلاف الحاصل حول حدود جبل عامل، وبالتالي مساحته، عائد إلى الاختلاف في وجهات النظر حول دخول بلدات أو قرى ضمن هذه الحدود، أو لا، حيث أن الحدود تغيرت جغرافياً، تبعاً للتغيرات التي حصلت على الوجود الطائفي والمذهبي في مناطق معينة، فالبعض يعتبر ان حدود جبل عامل هي حدود التواجد الشيعي، فعندما كانت جزين تجمعاً شيعياً، كانت تعتبر جزءاً لا يتجزأ من جبل عامل، أما وفي الوقت الذي لم يعد فيه للشيعة تواجد فيها، أصبحت خارجه. وكذلك بالنسبة لمناطق عديدة أخرى، فلو لم تكن مشغرة ويحمر وسحمر وغيرها مناطق شيعية، لما اعتبرت من جبل عامل، خاصة وانها أقرب إلى منطقة البقاع الغربي، منها إلى منطقة جبل عامل.

كذلك الأمر بالنسبة لبعض بلدات وقرى في إقليم التفاح، المجاورة لجزين، حيث تغيّر اللون المذهبي لها، بعد أن «أسكنها الدروز لفلاحين من الطوائف المسيحية يقيمونهم شركاء بالعمولة، لاعتمار الأرض واستدرار بركاتها (وهذا بعد خروج الشيعة من جزين، إثر معركة قامت بينهم وبين الدروز سنة 1757م)

كما ان هناك قرى في منطقة صيدا، تخرج عن نطاق جبل عامل، لأنها غير شيعية، وكذلك الأمر بالنسبة لبلدات وقرى العرقوب، مثل كفر شوبا، كفر حمام، شبعا، الهبارية، ميمس، الميري وغيرها…

وعلى هذا الأساس أيضاً، يقال «هناك قرى، كانت تابعة لجبل عامل في فلسطين، لكنها أخرجت منه، مثل قرى «الزيب» و«البصّة» (بقيت تابعة لجبل عامل حتى استشهاد ناصيف النصار سنة 1195هـ)، ومزارع البصّة كانت تخص جبل عامل، وخراجها كان يؤدى إلى قلعة تبنين، والأرض المسماة بـ«جاليل» وهي التي وضع أل ترشيحا يدهم عليها،أقروا بأنها كانت تابعة لبلاد بشارة، وكذلك «المعاصر»،وهي أرض مزروعة قرب «جاليل»، فإن خراجها كان تابعاً لتبنين، وكذلك بالنسبة لخربة «ديشوم» أو «ديشوب».

وفي الجزء الشمالي من جبل عامل، المسمى بـ إقليم التفاح، جملة قرى، يقول بشأنها الشيخ محمد مهدي مغنية: «إختلسها أهل لبنان»، وذلك في كتاب «جواهر الحكم»، نقلاً عن «العقد المنضد في شرح قصيدة الأسعد» للشيخ علي سبيتي.

وهناك قرى وبلدات عاملية، ألحقت بإقليم الشوف ومقاطعاته، أثناء المعارك مع المعنيين والشهابيين، وأثناء حكم الأمير بشير الثاني بعد وفاة الجزار، وهذه القرى هي قرى مقاطعة جزين.

كذلك هناك قرى في مقاطعة إقليم التفاح الشمالي،ألحقت به،بعد سلخها عن جبل عامل، وهي: الهلاليه، البرامية، وجوارهما، حتى مغدوشة والميه وميّه.

والموضوع ذاته ينطبق على مقاطعة جبل الريحان، ومنها الريحان القاعدة، والعيشية، عرمتى، الجرمق، وغيرها.

بعثة ايرفد (وهي مرجع حديث)، حاولت هي الأخرى، رسم حدود هذه المنطقة، فاعتبرت ان «منطقة لبنان الجنوبي ـ وهي التسمية الرسمية التي أصبحت تطلق على هذه المنطقة ـ التي تقع في محافظة صيدا (قبل أن تقسم إلى محافظتين)، تبدأ من نهر الأولي (أي ان صيدا تدخل ضمنها)، ونلاحظ هنا ان الضفة اليمنى لنهر الأولي، التي تضم في شمالي الإقليم دير المخلص وجون، قد ألحقت بهذا الإقليم، على الرغم من أنها تقع إدارياً، خارج المحافظة. ان التركيب الطولي للبنان يتعرض لتعديلات، تعطي لبنان الجنوبي تركيبه الخاص، تتابع الرقعة الساحلية بعد صيدا،حتى تبلغ الحدود الفلسطينية، لتشكل المنطقة الساحلية للبنان الجنوبي، وتنتهي سلسلة جبل لبنان، بحرف في جبل الريحان، وتشكل جبل جزين، وتشكل المنحدرات الواقعة بين الساحل والجبل، وراء عاصمة الإقليم، المنطقة الصغيرة لما وراء صيدا، والباقي،أي ما يقارب نصف الإقليم، تشغله نجود من الأراضي البيضاء والحمراء، منجرفة دائماً وخالية من الماء، وتلك هي خاصة الجنوب: «انه جبل عامل».

9 ــ مميزات جبل عامل

يمتاز جبل عامل عن غيره من المناطق اللبنانية الأخرى بمميزات عديدة، واضحة، جديرة بالاهتمام، تبرز جلية لمن يقوم بمهمة دراسة واقع تلك المنطقة، اجتماعياً وسياسياً وثقافياً وفكرياً واقتصادياً وعلمائياً وغير ذلك. ومن أهم هذه المميزات:

أ ـ طيب الهواء العاملي ونقاؤه وعذوبة مياهه، وطيب تربته وخصبها، وكثرة العيون في بعض النواحي منه، واعتدال الفصول الأربعة فيه، وعدم حدة البرودة، في فصل الشتاء، و الحرارة المتوسطة في فصل الصيف.

ب ـ امتياز السكان فيه بالذكاء، واعتدال القرائح، ولعل ذلك ناشئ عن تأثير المناخ والطبيعة والتضاريس في الطباع والقرائح.

ج ـ اشتهار أبنائه بالشعر والأدب، حتى انه يقال ان «تحت كل حجر من جبل عامل هناك شاعر»، ويلاحظ ان أبناء العائلات الدينية، معظمهم شعراء، (فضل الله، نور الدين، سبيتي، شمس الدين، الأمين، شرارة، الحرّ، بدر الدين..» وغيرهم.

يشهد السيد محسن الأمين في خططه على ذكاء العامليين، فيقول: أنه «ما حل العامليون في قطر من الأقطار،الا وتعلموا لغة أهله بأقرب وقت، وتكلموا بلهجتهم، بحيث لا يمتازون عنهم، ولا يظنهم السامع غرباء، بل يخالهم من أهل تلك البلاد».

د ـ حضارتهم العلمية والفكرية والإيمانية تطورت، وامتدت، فتجاوزت حدود جبل عامل الجغرافية، الصغيرة، الضيقة، إلى مساحات واسعة، وبلدان عديدة، فنقل العاملي إلى هناك علومه ومعارفه وفكره، وهضم علوم ومعارف الآخرين.

هـ ـ يمتاز جبل عال بكثرة ما نبغ فيه، منذ أوائل الفتح الإسلامي، وبعده، بالأدب والشعر والفقه والعلوم الأخرى كافة، ويقول السيد محسن الأمين في هذا الصدد: «انه يجتمع في قرية في جنازة سبعون مجتهداً، وقد كثرت مؤلفاتهم في كل فن،حتى ان أفران عكا بقيت تشتعل منها ستة أيام في حادثة الجزار المشؤومة،ولم ينجُ منها إلا ما سرقه أهل فلسطين من نفائسها، وما حمله الهاربون إلى بلاد غير بلادهم»، وقد عاد أشخاص من منطقة جبل عامل، واشتروا بعض هذه الكتب من أهالي فلسطين.

و ـ يمتاز جبل عامل بعراقة العامليين في العروبة، ومحافظتهم على العادات والتقاليد العربية القديمة، في إكرام الضيف، وحفظ الجوار، وصيانة العرض، وركوب الخيل، واقتناء الخيول العربية.

ز ـ محافظتهم على بعض العادات العربية الأصيلة، مثل الطاعة للجد والوالد والأخ الأكبر، والالتزام بالعبادات وشعائر الدين، واتصافهم بالتقوى والورع، ووجود فئة في كل مجتمع بلدة أو قرية من المتدينين المؤمنين، إلى جانب رجال الدين.

ح ـ نبوغ عدد من المخترعين، الذين قدّموا للبشرية اختراعات جليلة، وفي مقدمة هؤلاء حسن كامل الصباح الذي قدّم أكثر من ثلاثين اختراعاً، في أميركا، والذي كتبت عنه جريدة «لسان العدل» الصادرة في دوتريت ـ ميشيغين، لصاحبها، ورئيس تحريرها شكري نعمان، في العدد السادس، تاريخ 3 شباط سنة 1933 مقالاً جاء فيه: «للأستاذ الكبير كامل الصباح،المخترع النابغة همة عاليه ونشاط، لا يعرف الملل، وذكاء متوقد، يكاد يكون الوحيد في هذا العصر، فهو في كل شهر يأتي باختراع جديد، عجيب مدهش في فن الكهرباء، ويدخل تحسينات جديدة على الهندسة الكهربائية، مما جعل علماء هذا الفن يدهشون لاختراعاته، ويعجبون بنظرياته المبتكرة، وقد قررت السير على مبادئه معظم الشركات والمؤسسات الكهربائية في العالم…» .

وهناك المخترع العاملي رمال رمّال، الذي حقق هو الآخر اختراعات مهمة، لكن ما أصاب حسن كامل الصبّاح، أصاب رمّال، فانتهى عمره بحادث وضعت عليه علامات استفهام عديدة.

ط ـ قدرة العامليين على تجاوز الأمية في مجتمعهم، فبعد أن كانت الأمية سنة 1930 82 بالمئة، تدنّت هذه النسبة، خلال الثمانين سنة الفائتة، وهي أقل من عشرة بالمئة حالياً،.

ي ـ كثرة المزارات للأولياء والمشاهد في المنطقة، وعلى سبيل المثال:

مشهد محيبيب (بن يامين)، مشهد منذر في كوكبا، مشهد العويذي في كفركلا، مشهد حزقيل قرب قرية دبين، مشهد بنات يعقوب في شقرا (قرب الجبانة)، ومشهد شيت في برعشيت، ومشهد جَمال الحِسْن في حداثا، ومشهد الصياح في جويا، ومشهد محمد نوف في البازورية، ومشهد المعشوق قرب صور، ومشهد شمع في منطقة الشِّعب، في شمع، وعدة مشاهد أخرى يبلغ عددها ثلاثة وعشرون»، وهناك مشهد الخضر في يارون، ومحمد مالك في بنت جبيل. (أزيل من مكانه!!).

ك ـ لا يوجد بلدة أو قرية إلا وفيها مسجد أو أكثر، وتتميز المساجد القديمة في جبل عامل بحسن الإتقان، ودقة الهندسة والبناء، وبعض هذه المساجد كان لها مآذن، والبعض الآخر لم يكن لها.

أهم هذه المساجد: مسجد بنت جبيل الكبير، مسجد بليدا، مسجد شقراء، مسجد عيناثا، مسجد مارون الراس، مسجد عيثرون.

الحسينيات حديثة العهد نسبياً في المنطقة، وقد أنشئت لإقامة عزاء أبي عبد الله الحسين، ومناسبات الفاتحة والأسبوع، قبل أن تعقد فيها لاحقاً،إضافة لما ذكرنا، الندوات والمحاضرات والمهرجانات وغيرها..

اترك تعليقا