صورة مفقودة

جبل عامل في التاريخ السياسي ــ محطات مضيئة

1 ـ في ظل الحكم الأموي
لم يكن لجبل عامل، قي ظل سيطرة الأمويين على الحكم، وضع سياسي مستقل، بل كان تابعاً ـ شأن جميع الأمصار ـ للدولة الإسلامية الواحدة، التي اعتمدت، في حكم البلاد، على التقسيمات السابقة، وبقيت بلاد عاملة الجنوبية تتبع جند الأردن، أما بلاد عاملة الشمالية، فكانت تتبع جند دمشق، هذا يعني أن منطقة بنت جبيل، وجوارها، كانت تتبع في تلك الفترة لجند الأردن، ولا نستغرب ذلك، إذا علمنا أن المسافة بين هذه المنطقة الجنوبية من جهة، والمثلث، الواقع بين الأراضي السورية والفلسطينية والأردنية، هي مسافة قصيرة نسبياً، حيث كان الأهالي يقطعونها إفرادياً، أو على شكل قوافل، على البغال، وكان هؤلاء يسمّون بـ«المكارية» الذين كانوا يسلكون طريق بانياس ـ ذرعا.
هذا، وبقي القسم الجنوبي من جبل عامل، يخضع للحكم الأموي، «وتحديداً لحكم الوالي حسان بن بحدل الكلبي، الذي ضم فلسطين، بعد وفاة يزيد، إلى جند الأردن، وفي ذلك الوقت، وتحديداً سنة 59هـ ـ سنة 678م، تمكن البيزنطيون من الاستيلاء على صور وصيدا، وتسلقوا جبال لبنان بمساعدة الجراجمة، إلى ان عقد معاوية الهدنة مع الإمبراطور البيزنطي واستعادهما».

2 ــ جبل عامل في ظل الدولة العباسية
بعد انهيار الدولة الأموية، دخل جبل عامل تحت السيطرة العباسية، بعد القضاء على بني أمية سنة 132هـ، وكان يحكم بلاد الشام، عبد الله بن علي، العدو اللدود للأمويين، فدخل دمشق سنة 132هـ ، وأمر بنبش قبور بني أمية، ولاحق أولادهم وأتباعهم، واستمر في حكمه لدمشق إلى سنة 136هـ».
ولا ريب، ان العامليين كانوا في تلك الفترة على اتصال، منذ عصر صدر الإسلام، بالأئمة الأبرار من آل بيت رسول الله محمد(ص)، وعنهم أخذوا أصول مذهبهم، وفروعه، وأنواع الفرائض والعبادات، ولا شك أنهم، وبعد القضاء على الحكم الأموي، (وما حدث ليزيد بن سفيان، من مقتله مشهورة، وهو يلاحق الغزالة في منطقة الجولان، فشردت به فرسه، وقطعته إرباً إرباً) فإنهم تنفسوا الصعداء لفترة من الفترات.
تحدث البغدادي، المتوفي سنة 32، عن جندي دمشق والأردن، وذكر بعض المدن والقرى في جبل عامل، فقال: «وأما الثغور البحرية فهي: سواحل جند دمشق، عرقه وطرابلس وجبيل وبيروت وصيدا وحصن الصرفند وعدلون، وسواحل جند الأردن وهي: صور وعكا، وبصور صناعة المراكب.
إن هذا الأمر يؤدي إلى القول، أن «صيدا والصرفند والنبطية والخيام، وجزين ومشغرة كانت تتبع لجند دمشق يومها، أما صور والناقورة وبنت جبيل وقدس، وتبنين وهونين، فكانت تابعة لجند الأردن»( ).
وفي ظل الحكم العباسي، ولظروف سياسية وعسكرية، خضع جبل عامل لسلطة الأخشيديين، وتحديداً، لسلطة القائد طغج الاخشيدي، والي الأردن ودمشق سنة 321هـ ، واستمر على ولايته حتى سنة 327هـ ، أي لفترة بسيطة، لتعود بعدها السيطرة العباسية، حيث انتقل الحكم إلى القائد العباسي إبن رائق سنة 328هـ ، الذي كانت صور وصيدا وجميع الجبل العاملي تحت سلطته، نتيجة اتفاق مع طغج بعد معركة معه، حيث حصل هذا الأخير بدوره عن مدينة الرملة، وما تحتها بفلسطين».
وبقي جبل عامل تحت سيطرة العباسيين، حيث حكمه بدر بن عمار الطرابلسي سنة 329هـ ـ سنة 940م.

3 ــ الحكم الفاطمي لجبل عامل
خضع جبل عامل للسيطرة الفاطمية منذ سنة 973هـ ـ سنة 1124م، وقد مرّ البشاري المقدسي (وهو محمد بن أحمد بن البناء، أبو عبد الله، سنّي المذهب، اعتنق المذهب الشيعي، وتوفي سنة 380هـ) في جبل عامل، ما بين سنتي 375هـ وسنة 380هـ ، «وصرّح بأن مذهب أهل هذا الإقليم، وما يجاوره هو التشيع» ثم يتحدث عن أحوال جبل عامل، فيقول: «جبل عامل ذو قرى نفيسة وأعناب وأثمار وزيتون وعيون، المطر يسقي زروعهم، يطلّ على البحر، ويتصل بجبل لبنان…» ويتابع قائلاً: «خير العسل من رعى السعتر بايليا وجبل عاملة»( ).
شهدت بلاد الشام اضطرابات ضد الفاطميين سنة 387هـ ، واستغل الإمبراطور البيزنطي باسيل الثاني هذه الأوضاع، ودعم رجلاً من صور يعرف بـ«علاّقه»، ضد الحكم الفاطمي، لكن الفاطميين قضوا على ثورة علاقة، ومن ورائه الملك البيزنطي.
وقد مرّ في طرف جبل عامل ناصر خسرو، الرحالة الفارسي المعروف، وذلك سنة 437هـ ، فقال عن صور، أن «أكثر أهاليها شيعة إمامية، ومن بلداته تبنين وهونين وقدس والشقيف، ومن أكبر مدنه صيدا ثم صور، ومن أكبر قراه النبطية وبنت جبيل والخيام، وكثرت فيه العلماء، من القرن السادس إلى اليوم».

4 ــ إلى الحكم السلجوقي
منذ سنة 464هـ ، بدأت البلاد العاملية تسقط في قبضة السلاجقة، الذين ينتسبون إلى سلجوق، من صغار أمراء الأتراك، وكانت السمة الأساسية لحكمهم التعصب المذهبي، وخاصة ضد الشيعة الإماميّة، ويقول ابن الجوزي، أن «الجبال العاملية المحيطة بصور، سقطت في قبضة السلاجقة، فأخربوا سوادها».
ويبدو أن طبرية كانت في تلك الفترة شيعية، بل كانت قاعدة أساسية لهؤلاء، ويقول ابن الجوزي، أنه في سنة 464هـ ، «توجه السلاجقة إلى طبرية، بقيادة أتْسِزّ بن أوق الخوارزمي التركماني، فنزلوها، واقتسموا البلاد وأخذوا غلالها، وقام سنة 467هـ ، بنهب طبرية وقتل أهلها»، وتهجّر الشيعة منها باتجاه جبل عامل، ويبدو أن هذا التهجير كان نهائياً، إذ لم يعرف بعد تلك الفترة، أن عاد الشيعة إلى طبرية.
هذا واستمر حكم السلاجقة على جبل عامل حتى سنة 482هـ ، حيث عادت المنطقة للسيطرة الفاطمية، وبقيت كذلك، حتى الاجتياح الصليبي للمنطقة سنة 493هـ. ، سنة 1099م.

5 ــ جبل عامل تحت السيطرة الصليبية
في الحادي عشر من ربيع الثاني سنة 493هـ. سنة 1099م، مرّ الصليبيون في البرّ المواجه لمدينة صور، وكانوا جيشاً جراراً، من الفرسان الذين يضعون على صدورهم علامة الصليب، ولم يتعرضوا لمدينة صور بأي سوء، وكان هدفهم القدس.
بعد استتباب الأمن لهم في القدس، قرروا التوجه شمالاً، و«عهد الملك، «جود فري بوايون»، إلى الأمير «تنكر النورماني» بفتح إقليم الجليل، حيث احتل مدينة طبرية، الواقعة على أطراف جبل عامل الجنوبية الشرقية، وسقطت نابلس، وفرّ من سلم من أيدي السلاجقة والصليبيين، من أهالي هذه المناطق، إلى جبل عامل، وسكنوا بين أهله، الذين تجمعهم وحدة النسب والمذهب والانتماء. من المؤكد، أن منطقة جبل عامل وجوارها، أصبحت في تلك الفترة بيد الصليبيين، ويبدو أن المقاومة كانت غير متوفرة في هذه المنطقة، لصدّ تقدّم الصليبيين، وإذا كانت المناطق الساحلية، وخاصة صيدا، لم تستطع الصمود أكثر من فترة قصيرة، أمام الزحف الصليبي، فكيف بهذه المنطقة الريفية، التي لم يكن لديها أية مقومات للصمود، ولأنها منطقة غير محمية، ويجب الدفاع عنها مستقبلاً، فإنه في سنة 499هـ ـ سنة 1105م، قام الصليبيون ببناء قلعة تبنين على جبل تورون».
وبالطبع، عندما قام الصليبيون بالدخول إلى تبنين، فإن طريقهم كانت حتماً عبر بنت جبيل وجوارها، التي أصبحت منطقة خلفية بالنسبة لتبنين، التي أضحت معقلاً مهماً من المعاقل الصليبية، إضافة إلى معاقل أخرى في دوبيه (بين حولا وشقراء)، ودير كيفا، حيث بنوا هناك قلعة وسموها قلعة مارون.
نشير ان حصن تبنين شيّد فوق الجبال المشرفة على مثلث الطريق، الذي يربط بين صور وبانياس ودمشق، والذي شيّد الحصن هو أمير الجليل «هيو سانت أومير»، وذلك سنة 1107هـ»، وكان لهذا الحصن أهمية مميزة لدى الصليبيين، ودور مهم وفاعل ومؤثر في شمال الجليل، ولما يمثله هذا الحصن من خطر مباشر على أطراف صور ودمشق، وطرق القوافل والإمدادات، فقد كانت الضرورة تقتضي من المسلمين مهاجمته وإزالة خطره، وبالفعل، فقد استرجع المسلمون حصن تبنين سنة 511هـ ـ سنة 1117م، ومات بلدوين الأول، ملك القدس سنة 512هـ ـ سنة 1198م، من غير ان يحقق حلمه في الاستيلاء على صور، التي صمدت حوالي ربع قرن، مليء بالبطولات، قبل ان تسقط بيد الصليبيين، وبسقوط هذا الثغر، تمّ لهم احتلال مدن لبنان الساحلية، ويحمّل المؤرخ ابن تغري بردي، الفاطميين مسؤولية التفريط بثغر صور، على زمان الآمر بأحكام الله العلوي، ونائبه عنها عز الملك الأعزّ القاضي، الذي كان الشيعة شديدي الامتعاض من تصرفاته، ومن مساعديه الذين كانوا السبب في إفساد أمرها».
لقد مرّ الرحّالة ابن جبير في جبل عامل سنة 579هـ ، في رحلته التي قام بها بين سنتي 578هـ ، وسنة 581هـ، وذكر المدن والمناطق اللبنانية التي مرّ بها، وهي التالية: حصن هونين، ويقول عنه أنه «حصن للإفرنج، بينه وبين بانياس مقدار ثلاثة فراسخ».
كما تحدث عن ميس الجبل، ويسميها بـ«الميسيه»، ثم إلى وادي الإسطبل، ويقول: «اجتزنا في طريقنا بين هونين وتبنين بوادٍ ملتف الشجر، وأكثر شجره الرند، بعيد العمق، كأنه الخندق السحيق المهوى، تلتقي حافتاه، ويتعلق بالسماء أعلاه، يعرف بالإسطبل، لو ولجته العساكر لغابت فيه، لا منجى ولا مجال لسالكه عن يد الطالب فيه، المَهْبَطِ إليه والمَطّلع عنه عقبتان كؤودتان، فعجبنا من أمر ذلك المكان».
ثم يتحدث عن حصن تبنين، وهو «موضع تمكيس القوافل، وصاحبته خنزيرة، تعرف بالملكة، وهي أم الخنزير، صاحب عكّة دمّرها الله، فكان مبيتنا أسفل ذلك الحصن».
ثم توجه ابن جبير من تبنين إلى اسكندرونه (قرب الناقورة)، ثم إلى صور، وهنا يتضح ان ابن جبير لم يمر وقتها في بنت جبيل وجوارها، لأن طريقه كانت من هونين، ثم بالوادي المعروف حالياً بـ«وادي السلوقي»، بين حولا وشقرا ومجدل سلم، ثم إلى تبنين، ومن هناك إلى الساحل، عند صور وغيرها.
نشير ان القلقشندي، عندما تحدث عن تبنين، قال انها «ولاية تبنين وهونين».
بينما ذكرت عند القاضي العثماني» باسم «بلاد تبنين».
في تلك الفترة، كانت بنت جبيل والبلدات المجاورة لها، تتبع ولاية تبنين وهونين، التي تحدث عنها القلقشندي، وغيره، مثل المقريزي، ونقل عنهم محسن الأمين، وعفيف مرهج وغيرهما.
أما البلدات الأخرى التي كانت تابعة لهذه الولاية في المنطقة فمنها: برعشِت، (برعشيت)، حاريص، حانين، حداثا، رامية، شقرا (شقراء)، صفد البطيخ، الطيرة (طيرة حداثا، أو الطيري) تمييزاً لها عن الطيرة في فلسطين)، عيثرون، عيناثا، كونين (وكانت من أشهر القرى في هذه الولاية)، مارون الراس، يارون النصارى».

6 ــ عاملة تحت سيطرة البشاريين
حسام بشارة ينتمي إلى قبيلة عاملة، التي أصبحت بعد الفتح الإسلامي بفترة قصيرة على مذهب أهل البيت، كما صرّح به غالبية من زار هذا الجبل، أو تحدث عنه.
أولاد بشارة وأحفاده حكموا المنطقة «طيلة ثلاثة قرون، وكانت علاقاتهم مميزة بعلماء الشيعة في جبل عامل».
وهناك أحاديث متعددة، حول العلاقات الوطيدة التي كانت تربط حسام بشارة مع ابني صلاح الدين الأيوبي: الملك الأفضل علي، وأخيه المحسن، هذه العلاقة التي قامت على إعجابهما بقوة، وشجاعة وحنكة حسام، واستماتته وقومه في الدفاع عن بلاد المسلمين، إذ سرعان ما أعلنا تشيعهما لآل البيت، وخالفا أباهما وأرحامهما في عقيدتهما».
وإذا كان أعداء حسام قد تجاهلوا سيرته والتحدث عنه، مع أنه كان المقدّم في جهاده ومواقفه على كل قادة صلاح الدين، فإن ذلك كان لدواعي التعصب المذهبي لدى هؤلاء.
هذا ولم يتحدث كثير من المؤرخين عن تشيع أولاد بشارة إلا الذهبي، المتوفي سنة 852هـ ، ويحتمل بولياك، ان «يكون أحفاد بشارة وبنو صبح أو صبيح من الشيعة».
هذا ونتيجة للظلم والضرائب والسخرة، وتدنيس المحرمات التي مارسها الصليبيون بحق العامليين، فإن عدداً مهماً، لا يستهان من شباب ورجال الجبل العاملي فروا منه، وانتظموا تحت لواء حسام العاملي.
أول ذكر لحسام كان في 8 جمادي الآخرة سنة 582هـ قبل معركة حطين بسنة، وهو اشترك بالمعركة التي حصلت سنة 583هـ ، ولأنه أبلى بلاء حسناً فإن «صلاح الدين ولاّه على عكه»، وأثناء هذه الولاية، اتخذ من بلدة زبقين مركزاً لإمارته».
وفي فترة لاحقة تمت توليته من قبل صلاح الدين على قلعة بانياس، واتخذها مقراً له ولأولاده، وجعل من قلعة تبنين مركزاً لعملياته العسكرية».
وعندما حاول الصليبيون استعادة تبنين سنة 594هـ ، كانت القلعة بيد حسام بشارة، وقد استطاع ردّ الأعداء عنها، وقد توفي سنة 598هـ ، ويقال أنه توفي في بانياس».
الملاحظ، خلال حكم صلاح الدين، انتقامه ممن كانوا يسمّونهم بـ«الرافضة» أي الشيعة، والملاحظ أيضاً، ان وجود ابني صلاح الدين، وعلاقتهما الوطيدة بحسام بشارة، جعلت وطأة الانتقام من الشيعة في جبل عامل أخف، خاصة وان الملك الأفضل علي كان شيعي المذهب، وهذا الأخير استلم السلطة بعد وفاة والده، وكان هذا الأخير قد «أعدّ ولده ليكون خليفته من بعده، فكان حسن السيرة، متأدباً، متديناً، حليماً، بيد أنه خالف أباه، وأرحامه في عقيدته ومذهبه…».

7 ــ عاملة بين المماليك والصليبيين
في عهد المماليك، قام الظاهر بيبرس بمهاجمة البلاد العاملية، وتمّ ذلك سنة 658هـ ـ سنة 1259م، وكانت المهاجمة الأولى لقلعتي الشقيف، القديمة، والمستحدثة. ثم هاجم صور في نفس العام، بعد أن كان قد مرّ إلى صفد، وأخذ من صور شيئاً كثيراً، وفي سنة 662هـ ، شرع بالبناء في شقيف تيرون، بعد أن كان قد خرّبها سنة 658هـ .
وبعد أن ثبّت المماليك حكمهم في مصر، عملوا على إخضاع بلاد الشام الداخلية، بالإضافة إلى المناطق الساحلية، فأغاروا على الفرنج في صور، وتوجهوا إلى صيدا، ثم إلى جبال عاملة».
وتفيد المعلومات، ان حصني تبنين وهونين ظلا يخضعان للحكم الصليبي، منذ سنة 638هـ إلى 664هـ ، حيث تسلمها السلطان الظاهر بيبرس، فدمّر قلاعهما، ولم يبق لها أثر».
هذا الأمر يؤدي بنا إلى القول ان منطقة بنت جبيل، كلها، قد وقعت تحت سيطرة المماليك، بقيادة الظاهر بيبرس.
سنة 672هـ ، عقدت هدنة بين السلطان المملوكي، الملك قلاوون، والفرنج، في عكا وصيدا، وتمّ تقاسم النفوذ في البلاد العاملية بينهم، فكانت المملكة الصفدية، وما ينسب إليها، وتبنين وهونين وما معهما من البلاد، وما هو منسوب إليه، يكون جميعه، بحدوده وبلاده لمولانا السلطان، ولولده، والنصف لمملكة عكا، ومشغرة وأعمالها وشقيف تيرون، وأعماله، والمغاير جميعها، زلايا وغيرها، وبانياس وأعمالها».
سنة 682هـ، عقدت هذه بين السلطان المملوكي المنصور، وبين حكام مملكة عكا وصيدا، فكانت منطقة جبل عامل تحت سلطته، وهي: تبنين وهونين، وما معها من البلاد والأعمال، والشقيف، المعروف بشقيف أرنون، وما معه من البلاد والأعمال، وما هو منسوب إليه، وكانت صيدا بأيدي الصليبيين».
سنة 684هـ ، حصلت هدنه، بين السلطان قلاوون، مع مرغريت، أميرة صور، وردت فيها أسماء ثمان وسبعين ضيعة ومزرعة،وردت أسماء أخرى في صور وتبنين، من أسماء القرى التابعة لإمارة تبنين هناك: Maron (مارون)، Belide (بليدة)، Mess (ميس)، Quabrikuesm (قبريخا)، Cades (قَدَسْ)، Haris (حاريص).
وأورد اسم قريتين مجهولتين هما: Led- Eux، و Moga Ras.
ظل المماليك يحترمون بنود اتفاقية الهدنة مع صور، حتى سنة 690هـ ، سنة 1291م، حيث جهّز الأشرف خليل جماعة من الجند، وطلب أهل صور الأمان، فأمنهم على أنفسهم وأموالهم… وسقطت صور بيد المماليك.
وهكذا أصبح جبل عامل كله تحت سيطرة المماليك، حيث دمّروا المدن، وحوّلوها إلى خراب، ومن المعروف ان سلاطين المماليك، ومن قبلهم سلاطين الأيوبيين، كانوا قد اتبعوا سياسة جديدة مع الصليبيين، تقوم على تدمير المدن والقلاع الساحلية، التي يستولون عليها، ولا يتمكنون من البقاء فيها، حتى لا يفكر الصليبيون بمعاودة التحصن بها.
هكذا دخل جبل عامل تحت السيطرة المملوكية، «وكانت بلاد عاملة موزعة بين نيابتي صفد ودمشق، وكانت ولايات تبنين وصور والشقيف، تتبع نيابة صفد وولاية صيدا، بما فيها قلعة الشقيف تيرون، وجبع وجزين كانت تتبع نيابة دمشق».
هكذا نرى أيضاً ان معظم بلدات المنطقة، كانت تابعة، في تلك الفترة لنيابة صفد، مع تبنين المركز. وعندما افتتح الملك الأشرف جبال عاملة، أوقف صديقين ومعركة، من ساحل صور على تربة والده، وأوقف على تربته الأشرفية طيرزبنه (الشهابية لا حقاً).
بعد وفاة أمير الأمراء، حسام الدين بشارة العاملي سنة 598هـ ، لم يذكر لنا التاريخ أن أحداً من أبنائه أو أحفاده المباشرين، قد حكم جبل عامل، حتى سنة 783هـ ، لتظهر من جديد معلومات، تتحدث عن عودة أحفاده إلى حكم بلاده، واحتفظت هذه البلاد باسمها الجديد «بلاد بشارة»، إلى جانب تسميتها جبل عامل»، وأكثر سكانه من الشيعة، كما يذكر بولياك.
ويبدو أن الأسرة البشارية مرّت في ظروف صعبة، جعلتها تفقد بريقها وأهميتها، ونفوذها وسيطرتها في المنطقة، وهذا ما حدا بالبعض للقول، أنه «لم نظفر بأي خبر عن هذه العائلة، حتى مطلع القرن التاسع للهجرة/ الخامس عشر الميلادي، ولكنها تظهر مع إطلالة هذا القرن كزعامة متنفذة، ذات دور بارز في التاريخ المحلي للمنطقة.
بعد ذلك يتوقف الحديث لدى المصادر عن أخبار هذه العائلة، وهذا لا يعني أنها انتهت، بل بقيت أسرة متنفذة في جبل عامل، حتى وقت متأخر من العهد المملوكي، لكن أثرها ودورها تراجع بعض الشيء، لذلك خفّت أخبارها، لتعود وتبرز من جديد سنة 909هـ ـ 1503ـ 1504م.
بعد فترة وجيزة، برزت على الساحة العاملية أسر أخرى، غير الأسرة البشارية، مثل آل سودون، آل علي الصغير، آل صعب، آل شكر، آل مشطاح، وآل خاتون، التي برزت في المنطقة ما بين سنتي 906هـ ، و922هـ ، ويقال أن الأصل من مزرعة إمّيّة، قرب بلدة رشاف حالياً، وهي اليوم خراب، وفيها تلقبوا بآل خاتون، وهم من آل جمال الدين ابن خاتون، وسكنوا عيناثا، ثم جويا، وخرج منهم في عيناثا جماعة كثيرة من أكابر العلماء».
أما آل سودون، فهم أسرة حكمت قسماً من جبل عامل، في عهد دولة المماليك،وتسلّم هؤلاء الحكم في بداية عهد الدولة العثمانية، وكانت بنت جبيل، إضافة إلى كونها عاصمة لآل علي الصغير، مركزاً رئيسياً لآل سودون وآل مشطاح، «وكان آل سودون سنة 1478م، على خلاف مع والي نابلس، الذي جهّز جيشاً، قصد جبل عامل لمهاجمته، ولما وصل إلى بنت جبيل، وكانت قاعدة حكومتهم، طوّق منازلهم بخيوله، وقتل رجالهم، وهزم جندهم، وشتّت أنصارهم من آل شامي وآل مشطاح، وتمّ له استلام البلاد».
أما آل علي الصغير، فقد برز منهم في القرن العاشر الهجري، الشيخ حسين بن علي الصغير، الذي وقع بينه وبين الأمير فخر الدين المعني خلاف، فشدّد هذا الأخير الخناق على الشيخ حسين…» ، وستبرز أهمية هذه الأسرة في وقت لاحق.
أما آل شكر، فهم عائلة قديمة في جبل عامل، نشأت في بلدة عيناثا، وآل شكر أسرة عاملية «حكمت بلاد بشارة الجنوبية فترة من الزمن، ونازعت آل علي الصغير الحكم، واستمرت في الحكم المتقطع للبلاد الجنوبية إلى سنة 1059هـ ، عندما قضى عليهم الوائليون في قانا وعيناثا، وانتهى عهد الأسرة على يد آل علي الصغير سنة 1649هـ .
أما آل مشطاح،فقد برزوا من بين العائلات الحاكمة في جبل عامل، مع السيطرة العثمانية على هذه المنطقة.،لكن لم يبق ذكر لهذه العائلة، ولآل سودون خلال الفترات اللاحقة.
وتسلّم آل علي الصغير حكم البلاد كلها، وتفردوا به، فحكموا بلاد بشارة الجنوبية (تبنين، هونين، قانا ومعركة) وجعلوا تبنين قاعدة لهم».

8 ــ جبل عامل تحت السيطرة العثمانية
بعد الفتح العثماني، لم يتغير شيء على المستوى الإداري، فقد اتّبع العثمانيون في حكم جبل عامل، نفس السياسة المتبعة في إدارة الولايات الأخرى، وقتها كانت البلاد تتبع ولاية صيدا.
على المستوى السياسي، كان يتولى مسؤولية المقاطعات مجموعة من المشايخ، يقيم كل منهم في إحدى هذه المقاطعات، مع أتباعه المزارعين، الذين يتعهدون أرض المقاطعة لحسابه».
لقد برزت على المسرح السياسي في تلك الأثناء،أسرتان جديدتان، أخذتا تتنافسان فيما بينهما، وكلاهما تنافس الأسرة الرئيسية في جبل عامل، وهي أسرة آل علي الصغير، أو الأسرة الوائلية، والعائلتان هما: بنو صعب،حكام مقاطعة الشقيف، من بلاد بشارة الشمالية، وقاعدتهم النبطية، وآل منكر، حكام إقليمي الشومر والتفاح، من بلاد بشارة الشمالية أيضاً، وقاعدتهم جباع».
بالمقابل سيطر آل علي الصغير على القسم الجنوبي من بلاد بشارة، وكانت قاعدتهم تبنين، وكان هناك «صراع بين البيوتات الإقطاعية، بهدف مدّ نفوذ الالتزام، و«المتسلمين»، تحت سقف التوازن، الذي يقرّه الوالي العثماني القوي في المنطقة».
لكن لم يكن آل علي الصغير وحدهم على الساحة الجنوبية، بل كان هناك آل شكر في عيناثا، ولم تكن العلاقات ودّيّة بين الأسرتين».
يبدو أن المشايخ كانوا قادرين على حكم مقاطعاتهم، وعلى التصدي لكل من يحاول التعدي عليهم، وتثبت التقارير أنه «كان بمقدور كل شيخ عند الحاجة، أن يجنّد من مئتين وخمسين إلى ثمانماية رجل، إذا اجتمعوا معاً يشكلون قوة قتالية، قوامها تقريباً ستة آلاف مقاتل، معظمهم من الفرسان، اشتهروا في كل سوريا بشجاعتهم النادرة، التي شهد لهم بها معاصروهم من الفرنسيين، فقد أشار إلى ذلك الدبلوماسي الفرنسي باراديس (Paradis) بقوله: «شاهدناهم يقاتلون بترتيب ونظام، مما جعلهم ينتصرون على أعدائهم، الذين يفوقونهم عدداً».
لقد نمت قوة مشايخ جبل عامل، في تلك الفترة، وبشكل ملفت للنظر، ان على المستوى العسكري، أو على المستوى السياسي، وهذا الأمر ربما نتج عن شيء مهم، وهو أن منطقة جبل عامل، شهدت في تلك الفترة هدوءاً واضحاً، انعكس على الوضع الاقتصادي، الذي ازدهر، نتيجة حركة ونشاط التجّار الأوروبيين، وخصوصاً الفرنسيين منهم، في بلاد الشام الجنوبية، وتشجيع التجارة معهم، فاهتم السكان بزراعة القطن والتبغ، بعد أن وجدوا أسواقاً لها لدى الفرنسيين، بالإضافة إلى مصر»، وكان مزارعو الداخل العاملي يرسلون تبغهم المطلوب جداً، إلى مصر، كما وانهم كانوا ينقلون إنتاجهم إلى مدن الساحل (خاصة صور وصيدا وبيروت)، حيث يأخذها التجار اللبنانيون، الذين كانوا يبيعونها بدورهم إلى التجار الأجانب.
إذن هذا النمو الاقتصادي، الذي انعكس على نسبة نمو المداخيل، أثرت سياسياً، نحو الأمام، خاصة وبعد أن استلم قيادة العامليين من هو أهل للقيادة، وللدفاع عن الجبل.
وقبل الدخول في هذا الموضوع، لابدّ من الإشارة، إلى أنه في ظل السيطرة العثمانية، وأثناء حكم الأمير فخر الدين في الجبل، مرّت العلاقات بين هذا الأخير والشيعة العامليين بفترات متباينة، فمن مساعدة وتحالف، إلى تصادم، فإلى تحالف من جديد، كان هذا شأن العلاقة بين الطرفين، وأدت العلاقة هذه بالأمير فخر الدين، لمقابلة الشيعة بالعسف والقوة، خاصة آل أبو شامة، حيث أرسل فخر الدين جيشاً، هدم بيوت أولاد شكر في عيناثا، والحاج علي أبو شامة في بنت جبيل، وفرحات بن داغر في أنصار، والحاج ناصر الدين ابن منكر في الزرارية، وولده في قرية حومين الفوقا، وضبط جميع غلاّتهم».
نشير ان العلاقات تأزمت بين آل شكر وآل علي الصغير، الذين قضوا على الشكريين، وساعدهم في ذلك آل أبو شامة».

9 ــ المقاومة العاملية بقيادة ناصيف النصّار وفارس النصّار
بانتهاء النصف الأول من القرن الثامن عشر، ظهر على مسرح الساحة الشامية ثلاث قوى، تهدّد فعلاً أمن وسلطات والي الشام، هذه القوى هي: ناصيف النصّار زعيم جبل عامل، علي بك الكبير في مصر، وظاهر العمر في فلسطين.
لقد تزعّم شيخ المشايخ ناصيف النصّار المنطقة، «واتخذ من قلعة تبنين مقراً له». واستطاع مع باقي المشايخ، ترميم القلاع العاملية وتزويدها بالأسلحة والذخائر، وامتنع عن دفع الضرائب لوالي صيدا،وأشارت الوثائق الفرنسية إلى ذلك بتاريخ 4/11/1757 بقولها: «الشيخ ناصيف يعتقل نائب قنصل الرملة، ويقتاده إلى تبنين، أبلغ القنصل الفرنسي في صيدا، باشا الولاية بالحادثة، لكن الأخير أبدى له استياءه من تصرف الشيخ المذكور، الذي يرفض أن يدفع له الميري المتوجبة للباب العالي».
وجاء في وثيقة أخرى، ما يلي: «أرسل الشيخ مائة وخمسين فارساً لمصادرة البضائع، وأمرهم بمصادمة قوات الباشا إذا حاولت منعهم».
في تلك الفترة، لم تكن العلاقات طيبة مع والي الشام، ويوسف الشهابي، وحتى أن المتوافقين على مواجهة الدولة العثمانية، حدثت بينهم مشاكل، ونشير هنا إلى محاولات عديدة، قام بها ظاهر العمر، لضم المتاولة في جبل عامل إلى جانبه، بالقوة والعنف، لكنه فشل في ذلك، واقتنع باستحالة الأمر، فسكت عنهم وحالفهم، وذلك سنة 1081هـ ـ 1771م.
لكن أسوأ الظروف التي عاشتها المنطقة، كانت خلال فترة حكم أحمد باشا الجزار، الذي أسندت إليه ولاية صيدا سنة 1776 ـ 1804، وقد تجنب بداية التصادم مع شيخ المشايخ ناصيف النصار.
سنة 1781 صدر فرمان عثماني يأمر أحمد باشا الجزار «بالسير إلى بلاد عاملة وتدميرها»، استفاد الجزار من هذا الفرمان، ويمكن القول ان المنطقة العاملية، بقيت تتأثر بما جرّه عليها الجزار من ويلات ومشاكل، ومن أهم الأحداث التي كان لها تأثير على المنطقة، المعركة التي حصلت في يارون، بين الشيخ ناصيف النصّار، ومعه العامليون، ضد الجزار، هذه المعركة، غير المتكافئة، التي انتهت بمقتل شيخ مشايخ جبل عامل، الذي زلّت به قدم حصانه، وهو يقاتل، وذلك على البلاطة، التي لا زالت تحمل اسمه حتى اليوم، أي «بلاطة ناصيف»، الواقعة في محلة «تين الخربة»، في خراج بلدة يارون، من الناحية الجنوبية، وذلك في 23 أيلول سنة1195هـ سنة1781م، وذلك مع أربعمئة من مقاتليه، الذين قتلوا معه.
وبمقتل الشيخ ناصيف،خضع جبل عامل لحكم الجزار طيلة ربع قرن، ورغم القوة التي مارسها الجزار ضد هذا الجبل، وأبنائه، فإنه بقي متمرداً، وكان «ردّ الجزار مزيداً من تخريب الديار، ونهبها، وسلب خيراتها، وقتل أبنائها، وتهجير من تبقى منهم، وهدمت القلاع، وهربت مشايخ البلاد إلى الشام والعراق، ونهب الجزار مكتبات جبل عامل، وأحرقها، وكان لأفران عكا من هذه الكتب العاملية، ما أشعلها بالوقود أسبوعاً كاملاً، بعد أن كانت الربوع زاهرة بالعلماء وأرباب الفضل والتأليف».
من الأمور المثيرة،والجديرة بالاهتمام، أن ما لاقاه جبل عامل من حملة الجزار، كان يمكن أن يجعل هذا الجبل يستكين ويهادن لفترة طويلة، لأنه لم يكن من السهل أبداً ان يستعيد جبل عامل عافيته، بعد التدمير القاسي الذي حصل،والتشريد الذي طال أهاليه ومشايخه، لكن هذا الشعب، طوال تاريخه لم يستكن، ولم يتوقف عن المواجهة والنضال، وان اضطر أحياناً للتراجع، فإن ذلك كان يحصل لفترات قصيرة، حتى إذا استطاع أن يلتقط أنفاسه، ويستعيد قواه، فإنه ينتفض من جديد،وهذا ما حصل مع الشيخ فارس الناصيف، الذي تابع أسلوب وخط والده، فجمع شمل العامليين، و«شكّل منهم فرقاً انتحارية، للإغارة على معسكرات الجزار»، وهذه سابقة مهمة في التاريخ العاملي، كما انه راح يتصل بمن بقي في جبل عامل، ويحاول التنسيق معهم، بهدف تنظيم صفوف الثورة ضد الجزار.
علم الجزار بتحركات العامليين، بقيادة الشيخ فارس، وحاول اقتياد بعضهم إلى عكا سنة1782، لكن كل إجراءاته لم تنجح في ثني العامليين عن إكمال مسيرتهم، و«تعاونوا سنة 1784 مع يوسف الشهابي ضد الجزار، وقد أمدّهم الأمير بالمؤن والعتاد والمقاتلين»، وقد بلغت جرأة العامليين، إلى حدّ «قيام الشيخ عقيل، ابن الشيخ فارس النصّار، بالهجوم على قلعة تبنين، فأفنى العساكر الموجودة فيها، وأخذ منها الثروة التي كان خبأها والده في الحصن المذكور».
هذا وتابع الشيخ فارس ناصيف النصّار، ومن معه من الثوار، مقاومة الجزار، والجند العثماني.
لم يتنفس العامليون الصعداء، إلا بعد وفاة الجزار سنة 1219هـ سنة1804م، وذلك في الأسبوع الأول من شهر أيار،وقد تسلم مقاليد الولاية معاونه إسماعيل باشا، رغماً عن إرادة السلطات العثمانية، فتعاون العامليون مع زعماء الشوف لاستعادة السيادة على المقاطعات العاملية، وأنزلوا معاً هزيمة قاسية بضباط الباشا عند مرجعيون، لكن الوضع لم يستمر لمصلحة العامليين وزعماء الشوف، حيث استطاع إسماعيل باشا أن يعيد السيطرة على جبل عامل.
تمرّد العامليون من جديد، وحاولوا التملص من التبعية للسلطة في عكا، وخشي سليمان باشا أن يعود جبل عامل إلى وضعه السابق، أيام المشايخ الكبار، لذلك فإن مفاوضات جرت بينه وبين مشايخ جبل عامل، بواسطة الأمير بشير الشهابي، وتم الاتفاق على عودة العامليين إلى بلادهم، وان يترأس عليهم، بصفة شيخ مشايخ، فارس ناصيف النصّار… وان يبقى جانب من القوات العثمانية في المقاطعات العاملية، باستثناء إقليم الشومر.. وان يلبي العامليون نداء سليمان باشا حين يستدعيهم للقتال…».
هكذا عاد الشيخ فارس ناصيف النصّار ليبرز من جديد، ويلعب دوراً على المسرح السياسي، بين عامي 1221هـ ، وسنة1237هـ ، وأصبح مقرّه في بلدة الزرارية، منذ سنة 1228هـ .
احترم العامليون تعهداتهم، وانضموا بقيادة الشيخ فارس ناصيف إلى بقية العشائر في ولاية صيدا سنة1810م، حين استدعاهم سليمان لقتال خصمه والي دمشق، وكان لمساهمتهم تلك، أثر فعّال في الهزيمة التي لحقت بالأخير.
وفي عهد عبد الله باشا، الذي خلف سليمان باشا (الذي توفي سنة 1819)، تحسنت العلاقات مع المتاولة، وشارك هؤلاء مع الوالي الجديد في بعض حملاته، لكن هذه العلاقة لم تستمر، فقد «أشارت الوثائق الفرنسية، الصادرة عن حلب، بتاريخ تشرين الأول سنة 1824، استدعاء عبد الله باشا للشيخ إلى عكا، وبأنه اعتقله، ولم يفرج عنه إلا مقابل مبلغ ضخم، وحين وصل الأخير إلى بلاده توفي، من تأثير السم، الذي دسّه له الباشا».
بعد الشيخ فارس الناصيف، لم يعد للمتاولة زعامة قوية أو نافذة، ولم يكن لديهم موقف موحّد، يجمعهم، ولا قائد نافذ الكلمة، يأخذون بأمره، ويعتبر الشيخ علي الزين أن «هذه النهاية مجهولة».
وبنهاية الشيخ فارس، انتهت مرحلة مهمة من تاريخ جبل عامل، ليخضع هذا الجبل منذ سنة 1831 للحكم المصري، كباقي بلاد الشام.

10 ــ جبل عامل تحت الحكم المصري، مقاومة متجددة
خضع جبل عامل، كغيره من المقاطعات اللبنانية للحكم المصري، بعد الحملة التي قادها إبراهيم باشا، لاحتلال المنطقة سنة 1248هـ ، ويتضح من النصوص التاريخية المتوافرة، أن الشيخ حسين السلمان، الذي ظهر على المسرح السياسي سنة 1839م (وهو حفيد الشيخ عباس المحمد، وأول من سكن صور من آل علي الصغير)، كان على رأس الموالين للأمير بشير وحلفائهم من المصريين، وينقل الشيخ علي الزين، عن أحد وجهاء آل صعب أن «حسين السلمان كان يحمل صليباً في صدره، تزلفاً للأمير بشير وحاشيته».
اتخذ حسين السلمان من بنت جبيل مقراً لحكمه سنة 1264هـ ، وبنى فيها سرايا، وكان «الزعيم الوحيد من زعماء الشيعة، الذي سالم المصريين وانضم إليهم، وكان من أنصارهم، وخدم الحملة المصرية، بالاتفاق مع الأمير بشير الثاني، وكانا صديقين».
مقابل هذا الموقف للشيخ حسين السلمان، رفع الشيخ حسين الشبيب ابن الشيخ فارس، ناصيف النصار، لواء الثورة ضد المصريين والشهابيين، وذلك منذ أوائل تشرين الثاني سنة 1839م، يعني في نفس فترة حكم حسين السلمان، ويتضح من ذلك ان أولاد وأحفاد الشيخ ناصيف النصّار، لم يحيدوا أبداً عن الخط الذي مشى عليه ناصيف، في معاداة العثمانيين ومن معهم، ومن يحاول احتلال هذا الجبل.
إن التاريخ يذكر خبر معارك، خاضها الشيخ حسين الشبيب في بلدتي يارون ومارون، ضد الشهابيين الموالين للمصريين، وكان مع الشيخ حسين «أكثر من ستمئة نفر مجهزين بالبنادق والخناجر والعصي، وهو الذي كان يتلقى المساعدات من الأمير خنجر الحرفوشي من نواحي بعلبك، ومن درويش بعلبكي أيضاً».
وتذكر الأخبار «ان ثورة حسين الشبيب وأخيه محمد الشبيب دامت ثلاث سنين».
ثم برز على الساحة العاملية في تلك الفترة حمد البك، وهو حفيد محمود النصّار، شقيق الشيخ ناصيف النصّار (يعني هذا الأخير هو عم والد حمد البك)، وهو ابن محمد النصّار.
حمل لواء الثورة ضد المصريين، واستقطب حوله العامليين، «وكانت ثورة سنة 1840م التي برز فيها حمد البك، بفعل الظروف التي استغلها، وكانت ثورته بالتالي، ثورة شعبية، لا ثورة حاكم متسلّط».
هكذا نلاحظ، أن العامليين كانوا يرفضون الذل والخنوع، لأي دخيل على المنطقة، كما أن زعماءهم، كانوا يعرفون كيف يتحالفون، ومع من، وأيضاً، كانوا قادرين على التكيف مع الظروف، وعلى الاستفادة من الصراعات بين القوى الأساسية في تلك الفترة،لتحقيق أهداف العامليين، دون التراجع عن القواعد الأساسية، وكدليل على ذلك، فإن هدف حمد بك في تخليص المنطقة من المصريين، جعله يتعاون مع العثمانيين، وقصد لملاقاة الجيش المصري بالقرب من جسر بنات يعقوب، ويقول الشيخ الفقيه، ان حمد «جمع ثمانية آلاف مقاتل، وقادها بنفسه، وعلى حسابه، وكان معه علي بك الأسعد، المحمد، حفيد أخيه… وانضم إلى الجيوش العثمانية، وأظهر ضروباً من البسالة والتدبير، فاستدعاه عزت باشا،قائد الجيش التركي العام، وأثنى عليه، وعيَّنه حاكماً عاماً على جبل عامل، بلقب شيخ مشايخ بلاد بشارة، وعهد إليه بمطاردة الجيش المصري في جنوب جبل عامل، فرجع حمد البك، وجعل يطارد المصريين، ويحطّم قواتهم، فاشتبك معهم في عدة معارك، في رميش، ووادي الجشّ وشفا عمرو،وكانت واقعة الجشّ، أهم تلك الوقائع، فإنه أسر فيها من الجيش المصري أربعمائة وعشرين جندياً، وأرسلها مع حفيد أخيه علي بك إلى عزت باشا».
توفي حمد البك سنة 1269هـ ، وحلّ مكانه حفيد أخيه، علي بك الأسعد (لأن حمد لم يترك عقباً من ذكر أو أنثى).
حكم علي بك، يعتبر امتداداً لحكم حمد البك، مع اختلاف في الظروف.

11 ــ حكم الدولة العثمانية من جديد
بعد خروج الجيش المصري من المنطقة، بمساعدة العامليين، بشكل رئيسي، عادت السلطة العثمانية مجدداً، ويجمع المؤرخون ان «عهد علي بك الأسعد،كان عهد استقرار وهدوء، وانه لم يسجّل في عهده أية حوادث داخلية مهمة، سوى الطلب إليه في مرات عدة، واستدعائه من قبل الدولة، للمشاركة في إخماد بعض الثورات»، واستجاب للدولة، والمهم ان علي بك الأسعد كان حريصاً على الولاء للدولة العثمانية.
في تلك الفترة، برز خلاف بين زعامتي علي بك الأسعد حفيد أخ حمد البك، وتامر بك ابن حسين السلمان، وهو أكبر سنّاً من علي بك، واحتدم الصراع بينهما، خاصة وأن الذاكرة، كانت لا تزال تذكر وقوف والد تامر بك ـ حسين السلمان ـ مع المصريين، بعكس إرادة معظم العامليين.
وأخيراً استطاع علي بك الانفراد بالسلطة والزعامة، إنما في ظل خلافات داخلية، استمرت ضمن العائلة الواحدة، ولم يرضخ تامر بك لسلطة علي بك، وهذه الخلافات كانت سبباً في نهاية حكم علي بك الأسعد، ونهايته هو أيضاً، حيث «اعتقل بناء لوشاية تامر بك الحسين… ووصلت أخبار إلى والي صيدا، بأن علي بك يستعد للهجوم عليه، فأرسل بطلبه مع محمد بك الأسعد ابن عمه، إلى مركز الولاية».
الشيخ محمد مهدي مغنية، يشير في كتابه «جواهر الحكم» أن «السبب في اعتقال علي بك الأسعد وابن عمه محمد، هو جمعهما الأموال الأميرية من أهالي البلاد، وعدم تسديدها لخزينة الدولة، على مدى سنة أو سنتين أو أكثر».
المهم ان علي بك الأسعد وابن عمه محمد بك مكثا في السجن، في الشام، أشهراً، ثم حصل الوباء سنة1282هـ ، وكانا أول من مات به وقيل انهما ماتا مسمومين في هذا العام. سنة 1865م.
خلا الجوّ بعد ذلك لتامر بك الحسين، فذهب إلى مصر، وهناك أعيد تنصيبه على مقاطعتي جبل هونين ومرجعيون، وولّته السلطة العثمانية المشيخة العامة، مكان علي بك الصغير، لكنه لم ينتفع بهذا التعيين، إذ سرعان ما أقدمت الحكومة العثمانية إلى إلغاء الحكم الإقطاعي بتاتاً».
وتوفي تامر بك سنة 1298، في بلدة ميس الجبل من جبل عامل، ودفن هناك، ولا يعرف سبب موته، أو سبب دفنه في ميس.
وبعد وفاة علي بك الأسعد، قام خلاف داخل العائلة، وتحديداً بين أولاده والأقارب، إلى أن فاز بالسلطة العاملية ابن عمه خليل على حساب شبيب باشا، ابن علي الصغير، ثم حدث صراع بين ابن خليل بك الأسعد كامل وشبيب باشا، فكانت الغلبة للأول، واستمر يتبوأ هذه الزعامة حتى وفاته.

اترك تعليقا