صورة مفقودة

أهمية المنطقة على الصعيد الديني والتعليمي والثقافي

1 ـ مشاهير العلماء والفقهاء
رغم التهميش الذي عانته منطقة جبل عامل، بشكل عام، ومن ضمنه كل البلدات التي نحن بصدد الحديث عنها، وعن تاريخها، وتطورها، عنينا بها: برعشيت، بنت جبيل، بيت ياحون، حانين، حداثا، رشاف، شقرا، صربين، الطيري، عيثا الشعب، عيثرون، عيناثا، كونين، مارون الراس، ويارون، التي هي كأخواتها البلدات العامليات الأخرى، تتشارك معها في التاريخ والجغرافيا والثقافة والعلم وغير ذلك، فإنها، أي البلدات التي ذكرنا، شهدت، بشكل أو بآخر، نهضة علمية وفكرية وإيمانية، انطلقت وامتدت وتطورت، لتتجاوز الجغرافيا، التي نشأت فيها، إلى البعيد، إلى كثير من الأرجاء والأماكن، وإلى مساحات واسعة، تلاقت فيها مع مختلف عوالم المعرفة ومواقع الفكر.

صحيح أن السلطنة المملوكية، مارست كل أنواع القهر ضد الشيعة، أينما وجدوا، وان الدولة العثمانية تابعت ما بدأته سابقتها، من ممارسات الظلم والقهر والضغط، لكن الحالة الإسلامية في المنطقة بقيت تتحرك باستمرار، وان بصعوبة.
هذا ولم يغب رجال الدين أبداً عن الساح، حتى خلال الفترات العصبية، وكان لهم باستمرار الدور الإيجابي في تعميق الشعور الديني، والتوجيه والإرشاد، وحلّ المشاكل والخلافات، فقد كانوا رجال دين وقضاة في آن معاً، يحثّون على الفضيلة والخير، ويصدرون الأحكام الشرعية، ويركّزون الأسس السليمة للمجتمع المحافظ.
رغم صغر مساحة المنطقة، وقلة ساكنيها قديماً، فقد عرفت مشاهير العلماء في التصنيف والتأليف وتأسيس المعاهد العلمية، التي وتخرّج منها العديد من رجال العلم والدين، وتوافد إليها الطلاب من كل ناحية، تخرّج من شيعة جبل عامل علماء، استفاد الشيعة وغيرهم من مؤلفاتهم، إلى يومنا هذا، وطبقوا البلاد شهرة وصيتاً، ويكفي ان نذكر منهم: الشهيد الأول، محمد بن مكي، الذي ذاع صيته في كل الأرجاء، وأسس أول مدرسة شيعية، وقتل في 9 جمادي الأول سنة 785 بالسيف، ثم صلب ورجم، ثم أحرق بدمشق، في دولة بيدر وسلطنة برقوق، بفتوى القاضي برهان الدين المالكي، وعباد بن جماعة الشافعي، بعدما حبس سنة كاملة في قلعة الشام، وفي الحبس، ألّف اللمعة الدمشقية في سبعة أيام، ولم يكن يحضره من كتب الفقه غير «المختصر النافع» للمحقق الحلّي طاب ثراه».
ومنهم الشهيد الثاني، زين الدين بن علي الجبعي، الذي ولد سنة 911هـ وقتل سنة 966هـ ، وهو صاحب «الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية» وصاحب «المسالك» و«شرح القواعد»، و«آداب المفيد» وغيرها..
ومنهم حسن بن الشهيد الثاني زين الدين، المولود سنة 959هـ ، والذي توفي سنة 1061هـ ، وهو صاحب «المعالم في الفقه وأصوله» و«معالم الأصول» حتى اليوم يقرأها تدريساً طلاب العلم الجعفري.
ومنهم المحقق الثاني الشيخ علي الكركي، الذي توفي سنة 937هـ ، قد زاد عمره على سبعين عاماً، وهو صاحب «شرح القواعد وشرح الشرائع» وغيرها..
ومنهم الشيخ محمد الحرّ، صاحب «وسائل الشيعة»، الذي جمع منه حديث أهل البيت، في أبواب الفقه كافة.
ومنهم الشيخ بهاء الدين محمد بن الحسين، المعروف بـ«الشيخ البهائي» المولود سنة 952هـ ، والمتوفي سنة 1035هـ ، صاحب المؤلفات العديدة، في جميع فنون العلم «كالخلاصة في علم الحساب»، و«تشريع الأفلاك في علم الهيئة» و«الزبدة في أصول الفقه» و«الصمدية في علم النحو»، وله في الفقه مؤلفات كثيرة، وفي الرجال مؤلفات وجيزة، إلى غير ذلك من المؤلفات الجليلة كالكشكول» .
لقد أغنى الشيخ البهائي (الذي أصبح يعرف بـبهاء الدين العاملي) الساحة، «بما قدّمه من تجارب علمية ناجحة متميزة، وإنجازات علمية ناضجة مركزة، أعطت الكثير الكثير، ما لا يزال بعض جوانبه لغزاً محيّراً لكثير من العلماء، في مرحلتنا الحاضرة (وقبلها)، ولعل كل من قادته المقادير لزيارة أصفهان، وهي إحدى مواقعه التي انطلق في أجوائه، مفكراً وعاملاً، فتطلّع إلى آثاره وإنجازاته العلمية التي تركها، والتي لم تنطلق من مجرد الثقافة العلمية الروحية، بل تجاوزته، لتصبّ في اكتشافات علمية طبيعية» .
هذا، ولعل بعض الاصطلاحات المعبّرة عن واقع هذا الجبل وصورته، ما طرحه الكاتب اللبناني، مارون عبود، في كتابه «نقدات عابر» ، حين أطلق عليه، اصطلاح: «جبل العلماء»، وهذا ما نلمسه من خلال الآثار العلمية المكتوبة، التي تركها لنا علماء كثيرون، من عطاءات علمية، فقهية وروحية وأدبية، وتاريخية، وفلسفيه، وفكرية مختلفة، لا يزال الباحثون يستشفّون منها الكثير، والتي أغنت الحضارة العلمية والمكتبة الإسلامية بنحو متميز.
إن ساحة الجبل العاملي، كانت «تمثل» الغنى الواسع، بالكثير من ذوي العلم والفكر، ممن مثّلوا دوراً اجتماعياً وتربوياً هاماً في حياة هذا الجبل، في مختلف المواقع والأزمنة، سيما من خلال المدارس العلمية، التي أنتجت مجموعات العلماء المثقفين، الواعين، الذين أغنوا مواقعه، بنتاجهم الفكري والأخلاقي، والروحي، ورسّخوا العلم وحصّنوه، ونشروه في العديد من مواقع هذا الجبل» .
هذا وقد أسهم هؤلاء العلماء، في منافسة المذاهب الفكرية والنظرية، وفي إحياء وتفعيل الواقع العلمي في جبل عامل، ويمكن تقسيم هؤلاء العلماء إلى اتجاهين.
الأول انطلق في اتجاه رسم أفكارهم وبحوثهم ونظرياتهم العلمية، من خلال الكتابة والتسجيل، مما أفضى، إلى خلود نظرياتهم الفكرية، في مختلف المجالات والأبواب العلمية التي طرقوها، والتي لا تزال الحوزات العلمية تستمد منها الكثير من النظريات والطروحات.
والثاني تغلب عليهم النشاط الاجتماعي والتثقيفي والفكري، في حياتهم العلمية والعملية، الذي استغرق مجمل وقتهم، فصرفهم عن تسجيل آرائهم، وحواراتهم العلمية، ومناقشاتهم، للكثير من مواضيع العلم، في مختلف اتجاهاته، الفلسفية الكلامية، والفقهية والأصولية، والأدبية والأخلاقية» .
لا بدّ من الإشارة هنا، إلى النكبة التي خلّفتها حملة أحمد باشا الجزار ، في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، حين غزا بقواته جبل عامل، وواجهه شيخ مشايخ الجبل ناصيف النصّار، الذي استشهد مع عدد كبير من رجاله، هذه الغزوة التي أدت إلى نهب مكتبات جبل عامل، التي كانت تحتوي على نفائس الكتب والمخطوطات، والتي أحرقت في ساحة عكا، أو استعملت كوقود لأفرانها.
إن الاتهامات التي كانت تساق للشيعة في المنطقة، بالتشدد في بعض الأمور، كانت الغاية منها الإساءة لهذه الشريحة، التي تخضع لسلطة قمعية متعصبة، ويقول ڤيتال كويني في هذا الشأن: «إن الشيعة عموماً، وليس في جبل عامل فحسب، كانوا يخضعون لقواعد دينية صارمة، فيما يتعلق بنقاء طقوسهم، فكل الرّحالة الذين مروا بجبل عامل، شهدوا على تشددهم في هذا الأمر».
وعجبوا من رؤيتهم للمتاولة، وهم يقومون ببعض التصرفات المعينة، التي لم تعجبهم، لكن لا يمكن الركون إلى التعميم في ذلك، وما جرى من حوادث تاريخية مشهورة، مع علماء عامليين كبار، يؤكد حرصهم الكبير على الوحدة الإسلامية من جهة، وعلى العيش المشترك مع الإخوة في الوطن، من المسيحيين من جهة ثانية، والسيد محسن الأمين، والسيد عبد الحسين شرف الدين، والشيخ حسين بزي، والشيخ محمد جواد مغنية، والسيد موسى الصدر، وغيرهم وغيرهم من العلماء الكبار في تلك الفترة وما قبلها، كانت لهم مواقف مشهودة في المجالات التي ذكرنا، وهي تتناقض تماماً مع ما كان يسوقه بعض الرحالة الأجانب، وبعض المستشرقين.
إن الزعماء السياسيين كانوا يتقربون من العلماء العامليين، وكانوا يحترمونهم احتراماً شديداً، وكان المثل المعروف، والذي ينقل عن السيد عبد الحسين شرف الدين، هو القاعدة الأساسية لسلوك هؤلاء، وتعاطيهم في المجتمع، حيث كان السيد يقول «إذا رأيت العلماء على أبواب الزعماء، فبئس العلماء، وبئس الزعماء، وإذا رأيت الزعماء على أبواب العلماء، فنعم العلماء، ونعم الزعماء».
وبالرغم من أن أحاديث تنقل، عن أن بعض رجال الدين، كانوا يتقربون من السياسيين، لأنهم بحاجة إليهم في بعض الأمور، فإن هذا الأمر كان محدوداً، ولا يذكر انه كان هنالك علماء، يسايرون الزعماء على حساب دينهم، وبشكل ينافي الأحكام الشرعية السليمة.
ويقول صاحب كتاب «ولاية بيروت»: «البكوات كانوا يظهرون الاحترام والتقدير للعلماء والمجتهدين، وكانوا يصلونهم بالعطايا»، وكانوا يخضعون لإرادتهم، كل هذا الاعتبار، كان يحثّ الناس على الرضى عن الصورة السامية، التي كانوا يصوّرون بها العلماء، وفي المقابل، كان العلماء يمتدحون البكوات، أكان ذلك في مدارسهم، أمام طلابهم، أم عند رعيتهم، أم في كتاباتهم، وكانوا يدافعون عن مواقف الزعماء أمام الناس، ويرعون أهدافهم» .
إننا نتفهّم ان يقوم العلماء بمثل ذلك التصرف، خاصة وأن الأوضاع السياسية والاجتماعية، والاقتصادية، والدينية، التي كانت سائدة، كانت تظهر، وباستمرار، ان الشيعة، وهم أقلية، في المنطقة العربية والإسلامية، كانوا تاريخياً مستهدفين، وتعرضوا لظلم عنيف، والشهداء الأعلام، عبر فترات تاريخية طويلة، هم شهود على ذلك، ومن هنا، كان من واجب الزعامات الدينية، ان تتكامل مع الزعامات السياسية، في توزيع أدوار، لحفظ الطائفة من الاستهداف، تماماً كما حدث في فترات لاحقة.
نقول ذلك، ونتذكر ما عاناه الشيعة في العراق، الذين كانوا تاريخياً مضطهدين، وازداد اضطهادهم واستهدافهم بعد ثورة النجف الأشرف سنة 1920، ثم كان الاضطهاد الأقسى والأصعب، في ظل الحكومات المتعاقبة هناك، وكذلك الأمر في إيران الشيعية المسلمة بشعبها، الملكية بسلطانها الجائز، حيث كان القتل والاضطهاد والجور والظلم.
وهنا برزت أهمية الثورة الإسلامية في إيران، التي أحدثت تغييراً جذرياً كانت له انعكاساته، ليس على مستوى المنطقة فقط، وإنما على مستوى العالم العربي والإسلامي..

2 ــ المدارس الدينية في المنطقة
كانت المدارس الدينية العاملية، واحدة من المدارس التي عرفتها بلاد الشام، في نهاية القرن التاسع عشر، وكان هناك ثلاثة أنواع من المدارس، وهي «المدرسة السنية، التي وجدت في دمشق وحمص وحماه، وحلب وطرابلس وبيروت والقدس، وغيرها من المدن الشامية، والمدرسة الإسلامية الشيعية، التي وجدت في جنوب لبنان بشكل خاص، والمدرسة المسيحية، وقد عرف لبنان منها المدرسة المارونية» .
بالنسبة للمدارس الدينية في جبل عامل، فإذا تجاوزنا فترة ما قبل الدولة العثمانية، حيث «كانت مدارس جبل عامل عامرة بالتلامذة والأساتذة والعلماء والأعلام من الشيعة، ولم يكن هناك ما يوجب خوفهم أو تسترهم» ، فإن طلاب العلم راحوا يفتشون عن أماكن شيعية خاصة، للهجرة إليها والتزود منها بعلوم الفقه، ومن هنا بنيت علاقات تاريخية، بين جبل عامل من جهة، ومراكز العلوم الدينية الشيعية من جهة أخرى.
ومن الجامعات التي كانت تحفل بالعلوم العلمية والدينية، جامعات العراق، «وكانت الحلّة أولاً مهبط ذوي العلم والأدب، وعظم شأنها في تدريس الفقه الجعفري، وسائر علوم الدين، حتى صارت عاصمة التدريس في علم أهل البيت في العراق، زمناً طويلاً، وخرّجت من أعلام الفقهاء والعلماء، عدداً لا يأتي عليه الحصر» .
ثم كان الدور مجدداً للنجف، التي حازت، بجامعتها الدينية الرئاسة العلمية والزعامة الدينية، وهي التي أخذت على عاتقها القيام بكل عبء، من كل علم، أما الفقه والأصول، فهي السابقة فيهما والمؤسسة لهما.
والنجف منذ أكثر من قرن ونصف، «تعتبر مرجع التقليد لأكثر الشيعة في العالم، واليها الهجرة من أكثر من مكان، ومرّت عليها أيام طويلة قبل حرب سنة 1912م، وطلاّب العلوم فيها يربون على عشرة آلاف» .
بالنسبة للعامليين، وعلاقتهم بالنجف الأشرف، فإنها قديمة، وعميقة، وظلت النجف المقصد الدائم لطلاب العلوم الدينية، لكن البعض يعتبر ان الهجرة إلى النجف الأشرف «لم تكن محصورة بالدراسة، إذ أن أوجه العلاقة اتسعت عن هذا الغرض، فشملت مواسم الزيارات، خصوصاً: عيد الغدير، مولد الرسول(ص)، ذكرى كربلاء، أربعون الإمام الحسين» .
وبدأت المدارس الدينية المرحلة الثانية من تطورها، وكان قسم من طلاب هذه المدارس، الذين تظهر لديهم القابلية للتخصص والتعمق في العلوم الدينية، يرتحلون إلى النجف، وكان المحيط الدراسي والعلمي، ورغبة الأشخاص، والجو الأسروي والعائلي، هو من يقرر ذلك، والجو الأسروي كان عاملاً سياسياً في توجه الأبناء نحو النجف، وهو ما أصبح يعرف بظاهرة الأسر العلمية في جبل عامل، التي وجهت عدداً من أبنائها، لتلقي العلوم، باعتبار ان ما هو متوافر محلياً قد أنجز، وبات قاصراً عن إشباع الحاجات إلى الاستزادة… خاصة وانه في النجف، كان هناك كبار المراجع والعلماء، والمدارس والحوزات العلمية، التي يرتادها الطلاب من كافة مناطق الانتشار الشيعي في العالم: «إيران، الهند، باكستان وأفغانستان… ومن البديهي أن يتوجه أبناء جبل عامل إليها، أسوة بسواهم، باعتبارهما الحاضرة العلمية والفقهية الكبرى» .
من أهم المدارس التي تم تجديدها في المنطقة، مدرسة بنت جبيل، مدرسة عيناثا، ومدرسة شقراء، هذه المدارس الحديثة، التي نشطت على أساس فكرة تجديد المدرسة الدينية، كانت إلى جانب تطور الصحف والجمعيات والروابط الأدبية وغيرها، من أهم وأبرز معالم النهضة العلمية العاملية الحديثة.
وقبل التحدث عن هذه المدارس، لابدّ لنا من ذكر المعلومات التالية:
ـ الشيخ جعفر مغنية (والد الشيخ موسى مغنية) درس على الشيخ عبد الله نعمة في مدرسة جبع، ثم على الفقيه الشيخ محمد علي عز الدين في كفرا، ثم أسس مدرسة دينية في جويا، تم استدعاه علي بك الأسعد إلى تبنين، لتعليم أولاده وتهذيبهم، كما تعلم على يديه مجموعة من الطلبة، من بينهم الشيخ موسى ابن الشيخ أمين شرارة، وكان الشيخ جعفر علاّمة في مجال اللغة العربية.
ـ الشيخ محمد علي عز الدين، درّس في مدرسة جباع، ثم ذهب إلى النجف الأشرف، وعاد إلى جبل عامل، ودرس في مدرسة كفرا التي أسسها الشيخ علي محمد السبيتي» .
ـ الشيخ موسى شرارة، درّس في مدرس الشيخ جعفر مغنية في طيردبا، ولازمه ملازمة تامة، كما تلقى العلم على الشيخ مهدي آل شمس الدين (1830 ـ 1915)، هو من ذرية الشهيد الأول، ومن أجلّة تلامذة الشيخ عبد الله نعمة، وتخرج عليه في الفقه والأصول، وقرأ عليه الشيخ شرارة القوانين، وكان كما وصفه السيد الصدر، من المعاصرين الذين تكملوا، ولم يجيئوا إلى العراق» ، وعاد الشيخ إلى جبل عامل وأسس مدرسة، وكان علي بك الأسعد يتباهى بذكاء الشيخ… .
ـ الشيخ موسى بن جعفر مغنية (1859 ـ 1939)، فقيه عاملي، ومدرّس معروف ولغوي وشاعر، تنقل في المدارس العاملية، بدءاً من بلدته عند والده الشيخ جعفر، ثم عند الشيخ مهدي شمس الدين في مجدل سلم، وانضم إلى مدرسة حناويه، ولما حضر الشيخ موسى شرارة إلى بنت جبيل، انتقل الشيخ مغنية إلى مدرستها، ليكون رفيق درب الشيخ شرارة، في حمل لواء النهضة العلمية والأدبية في جبل عامل، انطلاقاً من مدرسة بنت جبيل، وبعد وفاة صاحب المدرسة، كان الشيخ مغنية المدرّس الأول في مدرسة شقرا، ثم في مدرسة عيناثا، وأنشأ درساً للطلاب في بنت جبيل، كما وصفه تلميذه، حفيد الشيخ شرارة، سمّيه الشيخ موسى الشيخ عبد الكريم شرارة .
ـ السيد نجيب فضل الله (1864 ـ 1917) ولد في عيناثا، ونقله خاله الشيخ محمد مغنية إلى طيردبا، مع الشيخ حسين مغنية، ليكونا تحت رعاية المعلم والمربي المشهور آنذاك، الشيخ جعفر مغنية، وبعد وفاة الشيخ جعفر، انتقل إلى مدرسة حناويه، ثم إلى مدرسة بنت جبيل، مع الشيخ موسى شرارة، درَس ودرّس، قبل أن يهاجر إلى الجف الأشرف. بعد إقفال مدرسة الشيخ موسى، عاد إلى جبل عامل، فأقام مدة في بنت جبيل، ثم في مارون الراس، ومنها عاد إلى عيناثا، حيث أنشأ مدرسة، خرّجت عدداً وافراً من الطلاب، وبقيت إلى حين وفاته .
ـ الشيخ حسين مغنية (1864 ـ 1940م)، تربى بداية عند الشيخ جعفر مغنية، وبعد وفاة مربيه، انتقل إلى مدرسة حناويه، ومنها إلى مدرسة الشيخ موسى شرارة، وبعد إقفال المدرسة، هاجر إلى العراق، ومكث في النجف الأشرف حوالي عشر سنوات، درس خلالها على كبار علمائها، وعاد عالماً كبيراً وفقيهاً مشهوراً…» .
ـ السيد علي محمود الأمين (1860 ـ 1920)، هو حفيد مؤسس مدرسة شقرا الأولى، السيد أبو الحسن موسى الحسيني، المتوفي سنة 1194هـ 1775/ (تقريباً)، وهو جدّ السيد محسن الأمين، وكان فقيهاً أصولياً، عالماً فاضلاً، محققاً، شاعراً، رئيساً، لا يقدّم عليه أحد في جبل عامل في عصره، قضى عشرين سنة في النجف الأشرف، وحصل على إجازات في الاجتهاد، وكان لا يزال في سن الثلاثين من عمره، بعدها عاد إلى شقرا، بلدته، حيث أسس فيها المدرسة العلمية .
بعد هذه المعلومات، لا بدّ من ذكر شيء عن ثلاث مدارس أنشئت في المنطقة وهي:
أ ـ مدرسة بنت جبيل، التي أسسها الشيخ موسى الشيخ أمين شرارة سنة 1297هـ ، استقطبت طلال مدرسة حناويه، بعد وفاة مؤسسها الشيخ محمد علي عز الدين.
كان الشيخ موسى يدرّس في مدرسته النحو والصرف والبيان وعلم المنطق، وعلمي الأصول والفقه والشعر» ، وهكذا فإن المدرسة جددت العلم بعد دروس مدارسه من القطر، وقد بلغ عدد طلاب المدرسة اثنين وتسعين طالباً، وكان مدخولها من طلابها يوزع على الفقراء والمحتاجين، وكان الطلاب الكبار يدرّسون الصغار، كما كان الحال في المدارس الأخرى، وخاصة مدرسة جبع.
من أهم من تحدث عن الشيخ موسى ومدرسته، تلميذه، السيد محمد رضا فضل الله العيناتي، في رسالة خاصة، وعدّد تلامذته، وذكر العديد منهم، وفيهم من أطلق عليهم الطبقة الأولى، مع تفاوت أعمارهم ومستوياتهم العلمية، والسبق في الانتساب إلى المدرسة، كالشيخ موسى مغنية، والسيد نجيب فضل الله، والشيخ حسين مغنية، والسيد محسن الأمين، (الذي تحدث في الأعيان أيضاً عن أستاذه الشيخ موسى شرارة)، وغيرهم، ووصفهم بأنهم من «خيرة علماء جبل عامل فضلاً وعلماً» .
كان طلاب الشيخ موسى شرارة عدة طبقات، وهم من مختلف أنحاء جبل عامل، ومن خارجه أيضاً، إذ ضمت اللائحة طلاباً من الهرمل، ومن نواحي حمص، وكان فيها من أصبح فيما بعد، مؤسساً لمدرسة دينية جديدة، كالسيدين حيدر وجواد مرتضى، مؤسسي مدرسة عيثا الجبل.
من أهم الإصلاحات التي أنجزها الشيخ، وكان رائداً فيها، طريقة التعليم الجديدة التي أنشأها، وعقده أربعة مجالس للطلاب، كان يعظ في الأول، ويتذاكر الطلاب في المسائل العلمية، ويقرأ في نهج البلاغة، وكان يسأل الطلبة مسائل في العلوم، ويثني على المصيب، ويلوم المقصِّر، واستعمل الوعظ في المجالس العامة، وسعى إلى بناء المساجد وإعمارها، وشذّب قراءه مجالس عاشوراء، وأقام في المنطقة العزاء لسيد الشهداء، بأسلوب جديد وقواعد حديثة، وتابع تهذيب المجالس السنيّة، وسنّ مجالس الفاتحة في وفيات العلماء، ونظم القصائد فيهم، وحثّ الناس على إطعام الطعام لثلاثة أيام بعد الوفاة، وبرز لديه الجانب التوفيقي لحل الخلافات بين المذاهب الإسلامية…
وتوفي الشيخ سنة 1304هـ، وتفرق طلاب المدرسة، وكما يذكر السيد محسن الأمين، فإن «السيد محمد رضا فضل الله، والسيد نجيب فضل الله، ولاحقاً السيد محسن الأمين، والشيخ حسين مغنية، ذهبوا إلى النجف لمتابعة دراساتهم هناك» ، وهنا يبرز دور الشيخ موسى مغنية والسيد نجيب فضل الله في إكمال مسيرة التدريس.
يذكر أن السيد مهدي الطباطبائي الحكيم، الذي حضر إلى بنت جبيل، ليكمّل المسيرة التي بدأها الشيخ موسى شرارة، لم يكن لديه الرغبة في ذلك، واتجه نحو التوجيه والإرشاد والوعظ، وكذلك كان وضع ولده السيد هاشم الحكيم، أما السيد محسن الحكيم، فقد كان له في العراق دور بارز، أهّله لأن يحتل مركز الصدارة في المرجعية.
ب ـ مدرسة عيناثا:
عيناثا كانت مركزاً دينياً مهماً، بداية لآل خاتون، الذين أسسوا فيها أول مدرسة دينية، ثم كان لها حظ كمدرسة بنت جبيل، في التجديد، وذلك على يد من كان إلى جانب الشيخ موسى شرارة، وهنا يبرز دور اثنين من الطلاب، الذين برزوا في مجال الدراسة، ثم كانوا العون للشيخ موسى شرارة في مجال الدراسة، وهما الشيخ موسى مغنية والسيد نجيب فضل الله، وهذان كان لهما الفضل في تأسيس مدرسة عيناثا الجديدة، التي حلّت مكان مدرسة بنت جبيل.
الشيخ موسى مغنية لم يذهب إلى النجف الأشرف لمتابعة دراساته الدينية، كما فعل الكثيرون، مكتفياً بما حصله في جبل عامل، في مجال الفقه واللغة والشعر، مع تقديره لحوزة النجف الأشرف، وتدرّج في سلم العلوم الدينية وغيرها، وهضم كل مرحلة من مراحل تلك العلوم، وكان مقصداً لطلاب العلم والعلماء، يشجّع على المعرفة والمثابرة، ومحاربة الجهل، والمحافظة على ما في مكتبات البيوتات العلمية والدينية .
إن فترة وجود الشيخ موسى مغنية في بنت جبيل كانت غنيّة، وتوفّر له مدرستها ما يريد، خاصة ان المدرسة عرفت يومها عصرها الذهبي العلمي، في مجال الفقه والعلوم الدينية.
وتوطّدت علاقته بسميّه الشيخ موسى شرارة، وكان إلى جانبه، طالباً، ثم أستاذاً، وقام الشيخان بعملية إصلاحية، واكتب بين الإرث التقليدي، للتعليم الديني، ومتطلبات العصر وحاجاته، وكان إلى جانبهما عدد من المساعدين، أمثال السيد محمد رضا فضل الله، السيد محسن الأمين، والسيد نجيب فضل الله.
وبقي هؤلاء، جميعاً مع الشيخ موسى شرارة، وإلى جانبه، وفي مدرسته، إلى حين وفاته.
وهنا يبدأ دور مدرسة عيناثا، حيث قامت على ركنين أساسيين، أو دعامتين إثنتين، الشيخ موسى مغنية والسيد نجيب فضل الله.
عيناثا هي إحدى حواضر العلوم الدينية في بنت جبل عامل، وتخرج من مدرستها الدينية عدد من العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء، حتى اشتهرت بأنها مركز للدراسات الدينية العليا، وقد ازدهرت بعد أفول نجم مدرسة بنت جبيل، وانتقل إليها معظم طلاب هذه المدرسة الأخيرة، وكان يدرّس فيها الشيخ موسى والسيد نجيب، فهما زميلا دراسة ثم تدريس، وتوثقت صلة الشيخ موسى بعيناثا بعد مصاهرته إياها، حيث تزوج من آل بسام، ورزق بابنتين، تزوجت إحداهما من السيد حسن آل فضل الله، الذي رزق بـالسيد نظام الدين فضل الله .
إن نهضة عيناثا على المستوى العلمي، والتي بدأت منذ نهاية القرن التاسع عشر، واستمرت إلى الثلث الأول من القرن العشرين، ارتبطت بالشيخ موسى الذي أسهم بـإعادة لقب المدرسة الدينية، وإكمال المسيرة، بعد وفاة السيد نجيب فضل الله، عاملاً على متابعة التعليم خارج جدران المدرسة، منطلقاً من مبدأ ان المعلم هو المدرسة، وان المدرسة هي المعلم، ولذلك فإنه كان يقوم بتدريس اللغة والفقه والأصول، من سنة 1917 حتى سنة 1939م.
من الدين درسوا على يديه: الشيخ موسى عبد الكريم شرارة، الشيخ محمد علي شرارة، الشيخ عبد الكريم الزين، الشيخ علي بزي، السيد محمد سعيد فضل الله، السيد عبد الرؤوف فضل الله، السيد عبد اللطيف فضل الله، السيد صدر الدين فضل الله، السيد محمد حسن فضل الله والسيد عبد المحسن فضل الله وغيرهم من الأدباء والشعراء.
أما دور السيد نجيب فضل الله، فيذكر ان السيد كان من الطبقة الأولى في مدرسة الشيخ موسى شرارة، وكان يساعده في التدريس، ويذكر السيد محسن الأمين انه شرع في بنت جبيل «في القراءة على السيد نجيب فضل الله الحسني العيناثي، ويبدو أن السيد كان على جانب كبير من الأهمية، ويستدل على ذلك، من أن طلاب مدرسة بنت جبيل كانوا ـ إذا ذهب السيد على عيناثا، ولم يعرّج على المدرسة ـ يذهبون إلى عيناثا، كي لا يفوتهم الدرس» .
كانت المدرسة مؤلفة من ثلاث أو أربع غرف، كانت أيام الحرب الأولى موجودة، وكان من أساتذتها الشيخ علي شرارة، إضافة إلى الشيخ موسى مغنية.
بقيت مدرسة عيناثا قائمة حتى بعد وفاة السيد نجيب فضل الله سنة 1336هـ ، حيث تابع التدريس فيها كما رأينا الشيخ موسى مغنية.
ج ـ مدرسة شقراء:
بعد المدرسة الدينية الأولى، التي كانت في شقراء، زمن السيد أبو الحسن موسى الحسيني، المتوفي سنة 1194هـ، أعاد حفيده السيد علي الأمين 1960 ـ 1920 تجديد شبابها، وذلك سنة 1900 (وهو جد السيد محسن الأمين)، حيث أصبحت شقراء في عهده عامرة بالعلم، مقصداً للعامليين، يؤمها الناس من شتى القرى، للحصول على الفتاوى الشرعية، أو لفصل المنازعات فيما بينهم، أو للانتساب لمدرستها العلمية، التي كانت تهتم بتعليم القرآن الكريم، والنحو والصرف، المنطق، المعاني، البيان، الأصول والفقه، وكان مركزها في «دار المدارس»، وكان الطلاب يقصدونها من معظم أنحاء جبل عامل، وكانت تقام فيها الأمسيات الشعرية بصورة مستمرة» .
لقد تراجع وضع المدرسة، ويبدو أن أسباباً مادية كانت من جملة العوامل التي أدت إلى ذلك، «فتفرق جملة من الطلاب، وبقي البعض، فضعف أمر الدرس، وبعد وفاته (أي مؤسسها) أفل نجمها واستولى عليها الخراب، ومع ذلك كانت لا تخلو من الطلاب في أغلب الأوقات، ويدرّس فيها فضلاء العائلة، ثم أعاد إليها رونقها حفيده وسميّه الفقيه العلامة السيد علي ابن السيد محمود، فجدّد عمارتها قبل تعمير داره، وغصّت بالطلاب، وقبل وفاته انحلّ نظامها، وبعد وفاته استولى عليها الخراب» .
من الذين درسوا في هذه المدرسة: الشيخ أحمد بري، الشيخ محمد دبوق، السيد أحمد قنديل (برج قلاويه)، السيد علي موسى سليمان (شقرا).
نشير انه نشأ في المنطقة مدرسة دينية أخرى، هي مدرسة عيثا الزط (عيثا الجبل)، وهي خارج نطاق بحثنا، وقد أنشأها السيد جواد مرتضى بعد عودته من العراق سنة 1297هـ ، ثم تابعها بعد عودته إلى العراق اخوه السيد حيدر مرتضى، فسميت بـ: «المدرسة الحيدرية». وتوقفت بعد وفاة هذا الأخير.

3 ــ بعد المدارس الدينية الكبيرة
يلاحظ البعض، يهتمون بالشأن العاملي، تاريخاً وسياسة وثقافة، ان «المدارس الدينية في جبل عامل ضعفت خلال مرحلة الانتداب، عما كانت عليه في القرن التاسع عشر، برغم استمرار التوجه نحو النجف، للحصول على التعليم الديني» .
لقد استمرت العلاقة مع النجف بالرغم من كل الظروف، (الانتداب سنة 1920، وثورة العشرين في النجف الأشرف، وما رافقهما من تطورات)، ولابد من ملاحظة «ما تركته هذه العلاقة من آثار مهمة، خاصة على مستوى العلوم الدينية، يستدل على ذلك، من عدد الحوزات الدينية التي انتشرت في مرحلة تاريخية سابقة في جبل عامل، وعدد العائلات الدينية الكبير، الذي عرف في جبل عامل» ، وهنا لابد من التذكير بأهمية الدور الذي لعبه بعض كبار العلماء العامليين في مقارعة الاحتلال، واحتضان كل التحركات الشعبية، التي كانت تنطلق ضد هذا الاحتلال، خاصة في فترة العشرينات، حيث كان السيد محسن الأمين والسيد عبد الحسين شرف الدين، من أبرز المؤثرين في الساحة العاملية آنذاك» .
وفي الثلاثينيات، كان رجال الدين الشيعة، خاصة مشايخ النبطية (الشيخ أحمد رضا، والشيخ سليمان ضاهر…) ومشايخ بنت جبيل (الشيخ محسن شرارة، الذي كان ينتقل بين النجف الأشرف وجبل عامل، والشيخ محمد شرارة) وسادة شقراء (السيد محسن الأمين، ثم ابنه السيد هاشم) والشيخ علي الزين، وبعض الشعراء والأدباء العامليين، كانوا يرفدون الحركة العاملية الوحدوية، بأفكارهم وآرائهم، وعندما انطلقت انتفاضة عز الدين القسّام في فلسطين، بعد منتصف الثلاثينات، كان هؤلاء جميعاً في خدمة هذه الثورة، قلباً وقالباً، وبكل معنى للكلمة.
وهكذا كان عليه الوضع سنة 1948، حيث كان علماء الشيعة، يتصدّرون حركة رفض تهويد فلسطين ، ويتصل هذا الدور الذي اضطلع به علماء الدين، «بالفهم الشيعي، وهو الفهم الإسلامي العام، لموقع الدين في حياة المجتمع، إذ يتولى علماؤه شرح معانيه، وتحويلها إلى سلوك في الأخلاق والاقتصاد والسياسة والحرب… وهو ما تطور مع الوقت، ليتخذ شكلاً آخر في عهد الاستقلال، ففيه برزت المطالبات بالحقوق العامة للشيعة، وبوضعهم السياسي، وواقعهم الخدماتي، فضلاً عن القضية الأبرز، وهي موقعهم في الصراع مع الدولة اليهودية، وما يتعرضون له من اعتداءات» .
واستمر الدور العلمائي الشيعي، خلال الفترة اللاحقة، و«بقي على تفاعله مترافقاً مع حلول الإمام موسى الصدر في أواخر الخمسينيات، محل الإمام شرف الدين في مدينة صور، التي اتخذها بداية قاعدة لنشاطه الديني، ومنطلقاً لمشروعه السياسي. وأخيراً الاستعداد لإنشاء القوى العسكرية المقاتلة، التي تتكفل حماية الحدود» .
وتزايد عدد علماء الدين، حول السيد، وكانوا من جيل الشباب في تلك الفترة، وهؤلاء كانوا يتنقلون بين النجف الأشرف ولبنان، وبعضهم كان متأثراً بالحركة الفكرية للإمام السيد محمد باقر الصدر. بموازاة هذه الحركة، وبنفس توجهاتها، كانت حركة أخرى متميزة، مثّلها السيد محمد حسين فضل الله، الذي كان على علاقة مهمة جداً بالسيد محمد باقر الصدر، واستمرت دراسته بالحوزة حوالي اثنتان وعشرون سنة (1363هـ حتى سنة 1385هـ)، وخلال دراسته الدينية، كان يشارك بالنشاط الثقافي، وانتخب عضواً في المجمع الثقافي، وشارك في العمل الصحفي في النجف، وكان هو أحد المشرفين عليها، مع الشهيد الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين، وهكذا كان السيد من أوائل الذين شاركوا في ولادة الحركة الإسلامية الشيعية الملتزمة في العراق، إلى جانب السيد الصدر، وكانا يلتقيان معاً، ويخططان لولادة إسلامية في الواقع الإسلامي الشيعي،…» .
ثم كانت رحلته إلى لبنان، وكانت الساحة الشيعية قد فقدت بعض كبار علمائها، وخاصة السيد محسن الأمين، ثم حضر إلى لبنان نهائياً سنة 1955، وتابع مسيرته الدينية، بدءاً من «أسرة التآخي» في منطقة النبعة، مروراً بكل مسيرته الدينية والفقهية والرسالية، و«هو باشر عملاً تأسيساً لنشاط اجتماعي وديني، له أوجه سياسية، فأنشأ معهداً لتدريس العلوم الدينية، يساهم في إعداد الطلاب الدينيين في لبنان، قبل السفر إلى العراق، وهذا نسق سار عليه العلماء الأوائل، عندما اهتموا بالحوزات الدينية… وفي هذا المعهد درس العديد من الطلاب، الذين تتلمذوا على يد العلامة فضل الله، قبل يشترك بعضهم في النشاط الاجتماعي والديني للجمعيات والمؤسسات التي أنشأها العلامة، أو يتولى إمامة قرى جنوبية، كما فعل الشيخ راغب حرب، أحد رواد المقاومة الشعبية في الجنوب…» .
وبينما «عمل العلامة فضل الله على إنشاء المؤسسات، وإعداد الكادر الديني والثقافي، لتأسيس قاعدة قوية ينطلق منها للعمل العام، كان الإمام الصدر يطلق حركته الشعبية والسياسية، مع إعطاء مساحة محددة للاهتمام بإعداد رجال الدين، فأنشأ حوزة في مدينة صور، كان من طلابها السيد عباس الموسوي، الذي درس فيها مقدمات العلوم الدينية، قبل ان ينتقل إلى النجف، ليكمل دراسته هناك، ثم يعود وينشئ بدوره معهداً لدراسة العلوم الدينية» .
العلاقة الأخرى، التي تربط جبل عامل بغيره من بلدان الشيعة في العالم، كانت مع إيران، ومن المعروف ان هجرة العامليين إلى إيران، حدثت في العهد الصفوي، ولا تعدو هجرة الفقهاء هذه، عن كونها واحدة من تلك الهجرات، التي يهرب بها الإنسان بنفسه، ناجياً بحياته، ذلك أن العصر المملوكي، بكل ما كان يوفره من أجواء الاستقلال الثقافي والاجتماعي النسبي، قد زال بدخول العثمانيين، القادمين لتوّهم، وأيديهم تتقطر بدماء الشيعة في تركيا وحلب وغيرهما.
وكان كبير فقهاء جبل عامل، الشهيد الثاني، زين الدين به علي الجباعي، أول ضحايا هذا الحقد، حيث أعدمه العثمانيون سنة 1557 للميلاد» .
وهناك كثير من النصوص تربط بين مقتل الشهيد الثاني وبدء الهجرة، ومن هنا، فإن ذهاب العلماء إلى إيران، لم يكن استجابة لإغراءات المهجر، التي يزعم البعض تقديمها لفقهاء جبل عامل من قبل الصفويين، بل ان هذه الهجرة قد حدثت بفعل الخوف والضغط في موطنهم بالدرجة الأولى، وهكذا، ففي القرن العاشر للهجرة «أصبحت إيران ملجأ الشيعة الهاربين من ظلم الأتراك» ، وفي هذا القرن، حدثت هجرة جماعية للفقهاء العامليين، إلى بلاد الصفويين، ولم يكن التشيع بالطبع غريباً عن إيران مع وصول هؤلاء، بل كانت إيران أرضاً خصبة بالتشيع، ينتشر فيها طولاً وعرضاً، ويكفي ان نعرف في هذا المجال، أن مدينة «قم» قد عمرت على أساس شيعي، أو ان التشيع قد رافق تأسيسها وقيامها…
وقُدِّر لجبل عامل ان يمدّ الصفويين بأفواج من الفقهاء، الذين هاجروا تحت وطأة الظروف القاسية، وقد حفظ لنا التاريخ من أسماء هؤلاء الفقهاء المهاجرين، سبعاً وتسعين اسماً، لم يعد منهم إلى الوطن إلا سبعة..
ويلاحظ ان الرحلات العلمية إلى إيران كانت مزدهرة، في القرنين العاشر والحادي عشر للهجرة، (16 و17م)، على ان هذه الرحلات لم تنقطع أبداً، إنما تضاءل الإقبال عليها، خاصة بعد أن أصبحت المدارس في جبل عامل متعددة، في القرنين الأخيرين (19 و20م).
انتصرت الثورة الإيرانية، وكان لهذا الانتصار أكبر الأثر في صعود الحالة الإسلامية، فقد «أعطت علماء الدين دفعاً قوياً، فقائدها مرجع ديني، والمحرّكون لها هم علماء الدين وطلاب الحوزات، وهو ما جعل دور العلماء يتقدم خطوات كبيرة إلى الأمام، مستفيداً من المناخ الذي عممته الثورة، ومن التربة اللبنانية الصالحة، لنمو مثل تلك الأفكار السياسية التي أطلقها الإمام» .
إن هذه الأفكار، استلهمت من قبل العديد من التيارات والشخصيات الدينية، التي كانت تتوق نحو الحرية والعدالة، والوقوف في وجه الدولة الصهيونية، ومن يدعمها في هذا العالم، الذي يكيل بمكيالين، ويزن بميزانين، وبشكل فاضح وصريح.
إن ما كان يدعو إليه الإمام الخميني، «أعطى لعلماء الدين بواعث نهوض، ساهمت في ما بعد في إرساء قواعد اجتماعية وسياسية داخل مجتمعاتهم المحلية، وكان الشيخ راغب حرب أحد هؤلاء العلماء المحليين، الذي حاول التأسيس لنشاط قروي، متأثراً بالأجواء التي سادت العراق في فترة دراسته، وبما بعثته الثورة الإسلامية في إيران من عوامل مساعدة» .
بعد الانتصارات المتتابعة، التي حققتها الثورة الإسلامية في إيران، بقيادة الإمام الخميني، كان وهجها يصل إلى منطقتنا، وقد «هبت عاطفة إسلامية شيعية، كانت مزيجاً من انبعاث معنوي، يحمل بعداً تاريخياً، وقوة مادية، يمكن أن تساهم في دعم النضالات الإسلامية، وفي طليعتها الشيعية» .
وكان الأمر المهم، هو حضور قوى شعبية إيرانية إلى لبنان، للمشاركة في التدريب وفي النضال، مع الفلسطينيين واللبنانيين، في وجه العدو الصهيوني، ثم تطورت العلاقات الإيرانية اللبنانية، وكانت انطلاقة المقاومة الإسلامية بعد سنة 1982، باحتضان إيران، ودعم بكافة الأشكال، استمر حتى التحرير، وتتابعت المسيرة، حتى كان انتصار تموز، حيث كانت الجمهورية الإسلامية، شريكة رئيسية فيه، فمنها الدعم المالي والعسكري والاجتماعي، والبنى التحتية وغيرها…

 

اترك تعليقا