صورة مفقودة

ظاهرة النزوح والهجرة في بلدات الاتحاد

تشكل الهجرة والنزوح، إحدى الظواهر البارزة في كل البلدات التابعة للاتحاد، ولهذه الظاهرة أسباب وعوامل عديدة، سياسية، اقتصادية، اجتماعية، عسكرية وأمنية..، وتركت آثاراً إيجابية وسلبية على المجتمع في البلدات كلها، وعلى الصعد كافة.
كان النزوح إلى الجوار العربي سابقاً على الهجرة إلى الخارج، حيث نزح أبناء المنطقة، بسبب ظروفهم المعيشية، والاضطهاد العثماني وظلمه، والأوضاع الأمنية غير المستقرة، التي حصلت، خاصة في نهايات الدولة العثمانية، وبدايات الانتداب الفرنسي.
وكان النزوح بشكل أساسي باتجاه فلسطين، التي احتضنت عدداً كبيراً من أبناء المنطقة، والسبب هو توفر فرص العمل هناك، وقوة الليرة الفلسطينية، وعدم وجود حواجز جمركية، إلى ما هنالك من أسباب أخرى، وكانت حركة النزوح إلى الجوار العربي من البلدات المعنيّة بالبحث، حلاًّ لمشكلات عديدة، كان يعاني منها المجتمع.
واستمر هذا النزوح بوتائر مختلفة، حتى سنة 1948، حيث تحولّت حركة النزوح باتجاه بيروت بشكل أساسي، فيما بقي النازحون الذين ذهبوا إلى سوريا والأردن هناك، حيث أصبحوا جزءاً أساسياً من التركيبة الاجتماعية في تلك البلاد، مع محافظتهم على هويتهم اللبنانية.
النزوح باتجاه بيروت، كان كثيفاً، لأن أعداد النازحين في فلسطين، بشكل خاص، كان كبيراً، وكان هؤلاء يعملون في مصالح عديدة، ومعامل وشركات، ولذلك، فإنهم لم يجدوا في بلداتهم مجالات العمل المطلوبة، فتوجهوا إلى بيروت، وخاصة إلى ضاحيتها الشرقية (الدكوانة، برج حمود، تل الزعتر، النبعة، كمب طراد، كمب سيس…)، حيث اشتغلوا هناك، وأقاموا طويلاً، واستمرت هذه الإقامة حتى سنة 1975، في ذلك العام، وبعد بدء الحرب الأهلية، حصلت حركة نزوح جنوبية معاكسة، من كل المناطق الشرقية في بيروت، إلى بلدات الجنوب، ومنها بلدات الاتحاد كلها.
بعد فترة معينة، استمرت حوالي سنتين، تحولت المنطقة إلى جبهات عمليات عسكرية، ودخل العدو الصهيوني على الخط، فحصلت حركة نزوح جديدة، لكنها كانت باتجاه الضاحية الجنوبية، وبيروت الغربية، وبلدات في مناطق: صور صيدا، إقليم الخروب وغيرها.
وزاد في حركة النزوح الاجتياحات، خاصة، سنة 1978 وسنة 1982، والاحتلال الصهيوني، الذي استمر حتى التحرير سنة 2000.
نشير ان بلدات كحانين حصل فيها نزوح كلي، وأخرى شهدت نزوحاً جزئياً كبيراً مثل: الطيري، كونين، مارون الراس.
أما الهجرة من بلدات الاتحاد باتجاه الخارج، فهي قديمة، وتعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، وأسبابها عديدة ومختلفة ، وتختصر بالأسباب المعيشية الاقتصادية، والأمنية العسكرية، والسياسية، والاحتلالين العثماني والفرنسي، وكانت الهجرة بداية باتجاه الأميركيتين، ثم تحولت في فترات لاحقة نحو أفريقيا، حيث المستعمرات الفرنسية والانكليزية وغيرهما..
منذ أواخر الستينيات، حدثت هجرة كثيفة، بسبب تفاقم الأوضاع الأمنية، وازدياد الاعتداءات الصهيونية على المنطقة، ثم الاحتياجات التي حصلت، وما تبعها من احتلال بغيض.
نذكر أن كل بلدات الاتحاد شهدت هجرة إلى الخارج، وخاصة:
بنت جبيل: باتجاه الولايات المتحدة الأميركية، استراليا، كندا، أوروبا، أفريقيا.
عيثرون: باتجاه استراليا، ألمانيا.
عيناثا: باتجاه الكويت، أفريقيا خاصة الزائير.
شقرا: الكويت، السنغال، ليبيريا، دول أفريقية أخرى، الولايات المتحدة الأميركية.
يارون: إلى الولايات المتحدة الأميركية، كولومبيا.
كونين: استراليا.
الطيري، رشاف، صربين، حداثا، عيثا الشعب، برعشيت، مارون الراس، بيت ياحون، حانين.
من الطبيعي أن يكون للهجرة آثار سلبية على المجتمع، في البلدات التي ذكرنا، حيث ان المجتمع خسر عدداً كبيراً من القوى الرئيسية العاملة فيه، وتراجعت الزراعة، وبعض الحرف اليدوية، وأقفلت مدارس، وبارت الأرض، وخسرت البلدات بعض أبنائها فعلاً، نتيجة زواجهم من أجنبيات، وحصولهم على جنسيات البلاد التي هاجروا إليها، وبالتالي تراجع ارتباطهم بالوطن والأرض.
مقابل ذلك كان للهجرة إيجابيات عديدة، تمثلت بانفتاح آفاق واسعة أمام المهاجرين، واختلاطهم بمجتمعات جديدة، وتعرفهم على ثقافات ولغات وعادات وتقاليد، ونجاحهم في مجالات التجارة والمقاولات، وتأسيس الشركات، والتعلم في اختصاصات مختلفة.
إن أموال المغتربين إلى ذويهم في البلدات، ساهمت في انتفاء أزمات معيشية صعبة، وبعض هذه الأموال تم تسخيرها في بعض الأعمال الخيرية، وباتجاه الفقراء واليتامى والمعوزين، وبشكل تكفل.
الهجرة كانت لها آثار كبيرة على المستوى السياسي، في البلد بشكل عام، وفي العاصمة بشكل خاص، فالمال الذي جمعه المهاجرون، استخدموه في شراء العقارات والأراضي والشقق والبنايات، وخاصة في بيروت، مما كان له آثار على صعد عديدة، كما سخّر بعض هذا المال في مشاريع مصرفية.
لكن ما يؤسف له، ان استثمارات المغتربين في بلدات الاتحاد، في مجالات الزراعة والصناعة، والمشاريع السياحية قليلة جداً ونادرة، فالأموال بعضها يكدّس في البنوك، والبعض الآخر في العقارات.

اترك تعليقا