صورة مفقودة

الوضع الاقتصادي في منطقة الاتحاد

تطور الوضع الاقتصادي في ظل الاحتلال
اعتمدت المنطقة الحدودية في حياتها الاقتصادية، على أمور أساسية عديدة، وعلى نشاطات أخرى ثانوية، داعمة، بنسب مختلفة.
تاريخياً، المنطقة تعتبر زراعية بامتياز، حيث اعتمدت على زراعة التبغ والحبوب واللوزيات والزيتون، والخضار، قبل أن تتوقف زراعة التبغ في بلدات، وتبقى في أخرى، وتتراجع بشكل كبير زراعة الحبوب، وتتقدم بموازاة ذلك زراعة الزيتون ومختلف الأشجار المثمرة.
أما الصناعة، بمعناها العلمي والمتطور، فلم تكن موجودة في المنطقة، وجلّ ما كان هناك بعض الحرف اليدوية البسيطة، التي يعمل أصحابها مع عدد قليل من العمال، أو مع الأبناء، في معامل أو مشاغل متواضعة، بسيطة، إن من حيث الآلات والمعدات والمواد الأولية وطريقة الإنتاج، وكميته وتصريفه، أو من حيث الرأسمال الموضوع لهذه الحرف.
ومرّت هذه المعامل بفترات تقدم أو تراجع، تبعاً لظروف ذاتية وموضوعية عديدة، فتطورت بعض الحرف، ودخلتها الآلات الحديثة، وازداد الإنتاج، وعدد العمال، والتسويق، بينما بقيت حرف تسير بنفس الوتيرة، التي بدأت بها، مع بعض التغيرات الطفيفة، وهناك حرف انقرضت نهائياً، أو شبه نهائي، بحيث طرأت عليها تحولات جذرية، أثرت عليها كثيراً.
أما التجارة،فإنها تنحصر أساساً في القصبات الكبيرة، التي تعتمد في الحصول على السلع والمواد من المدن الكبرى، خاصة، بيروت وصيدا وغيرهما، أما الحركة التجارية في البلدات والقرى الأخرى، فكانت تعتمد بشكل أساسي على بائعي المفرق، الذين كانوا يعتمدون على تجار الجملة في القصبات، وكذلك على ما يستوردونه مباشرة من المدن الكبرى.
ولم يستمر الوضع على هذا النحو، فهذا الأمر قد تغير، إنما بشكل غير جذري، حيث كثرت الأسواق في المنطقة (بنت جبيل، عيثرون، شقراء)، وازداد تجار الجملة في البلدات، وكثر التجار الذين يأتون من خارج المنطقة، يقدمون كل الطلبات التي اللازمة للتجار، ويمكن القول أنه أصبح هناك نوع من الاكتفاء الذاتي السلعي البضائعي في بعض البلدات، وبقي الوضع كما هو سابقاً، إلى حدٍّ ما، بالنسبة لبلدات أخرى.

تأثير اجتياح سنة 1978 على الوضع الاقتصادي
سلخت المنطقة الحدودية عن الوطن، طيلة اثنين وعشرين عاماً، واحتجزها العدوّ بالقوة، وبقي فيها عن طريق الترهيب والظلم، وممارسة كل أساليب التسلط والابتزاز، وحاول اختراق كل شيء في المنطقة، وعمل على ربطها ربطاً كاملاً باقتصاده ومؤسساته، واستطاع العدوّ تحقيق بعض أهدافه في مناطق من الشريط، دون أن يقدر على ذلك في مناطق أخرى.
هذا، وخلال فترة احتلالها للمنطقة، فإن «إسرائيل» أقامت شبكة من الخدمات في المنطقة الحدودية، من ساحلها إلى جردها، وشملت بناء الطرق، وتعزيز قطاع الاستشفاء، ومدّ المياه وبناء المدارس.
حتى احتلال المنطقة سنة 1978، فإن زراعة التبغ كانت تعتبر العمود الفقري لاقتصاد المنطقة، وخاصة في أقضية مرجعيون وبنت جبيل ومرجعيون، وجزئياً قضاء جزين، إضافة إلى زراعات أخرى،من حبوب وكروم للعنب والزيتون، كما اعتمد سكان هذه المناطق على بعض الصناعات الناشئة،والتي نشطت قبل اجتياح العام 1978، إضافة إلى العديد من الحرف المنتشرة في كل البلدات، كما ان الوظائف في الجيش، ومؤسسات الدولة، إضافة إلى أموال المهاجرين، شكّلت مصادر أخرى للمعيشة هناك.
في الموضوع الزراعي، فإن العدو الإسرائيلي، «حطّم ما تبقى من الأسس التي تقوم عليها الزراعة، في المناطق التي غزاها، حيث عمد العدو إلى سياسة التهجير وتدمير القرى، ومنع المزارعين من ممارسة الأعمال في الكثير من الأراضي، وعلى الرغم من هذا التضييق الاقتصادي على كل الصعد، من قبل قوات الغزو، عادت ونشطت زراعة الحبوب بأنواعها، وزراعة الكروم والتين والخضروات، بأنواعها أيضاً، حيث تشكل هذه الزراعات الأساس الفعلي لصمود الشعب هناك».
أما في الصناعة، «تطورت في المنطقة الواقعة تحت الغزو قبل حصوله، وقد وصلت من مستوى إنشاء المشاغل، إلى إنشاء المصانع، خاصة مصانع الأحذية، ورش النجارة والحدادة والميكانيك، لكن بعد الغزو تراجعت الصناعة ودمّرت بعض الحرف والمحترفات، ففي بنت جبيل (يومها أي سنة 1989) عدد قليل من مشاغل الأحذية، تقوم إلى جانبها عدد من المحترفات، وهذا القليل انحصر، حتى أضحى يعادل 10% مما كان عليه سنة 1976، وكاد يضمحل ويتلاشى إثر اجتياح سنة 1978، بسبب مزاحمة الأحذية الأجنبية».
أما في التجارة، فقد كانت مراكز التبادل تدل على مستقبل واعد، حيث شكّلت بعض البلدات الكبيرة مراكز تبادل دائمة، إلى جانب الأسواق الأسبوعية المنتشرة (رميش، بنت جبيل)، لكن تراجع الزراعة والصناعات في المنطقة الواقعة تحت الغزو، أثر سلبياً على نمو التجارة داخل هذه المناطق، حيث انخفض التبادل التجاري بين البلدات الكبرى (مراكز الأقضية)، كما أقفلت وشلّت الأسواق التجارية، التي شكّلت تاريخياً مراكز التبادل الأساسية، والتي ساهمت بنمو وتطور بعض البلدات».
من الطبيعي ان العدو كان يعمد إلى الضغط اقتصادياً على مواطني المنطقة المحتلة، لأنه كان يطمح إلى ربط المنطقة اقتصادياً بالأراضي المحتلة، وبالتالي الوصول إلى عملية تطبيع تدريجية، وإضعاف الارتباط بالوطن، عبر المضايقات التي كان يمارسها، هو وعملاؤه على الحواجز، وبالتالي القبول بالأمر الواقع، الذي لا بدّ منه.
وزاد من تفاقم الوضع الاقتصادي في تلك الفترة، «التخلي الرسمي والسلطوي من قبل الدولة والمؤسسات، والغزو الإسرائيلي الذي يساهم بتفاقم هذه الأوضاع، حتى يتسنى له تغيير أوضاع هذه المناطق، ليسهل تنفيذ مخططه الهادف إلحاق هذه المناطق».
وزاد من تأثير المشكلة، ان «2700 عامل وعاملة، من أبناء المناطق المحتلة، وخاصة القرى الحدودية، يعملون داخل الأراضي الفلسطينية المغتصبة، وهذا العدد إلى تزايد (يومها)، نتيجة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة، ونتيجة لتصاعد الانتفاضة الشعبية داخل الأراضي الواقعة تحت الغزو (فلسطين المحتلة)، حيث تصبح حاجة العدو ماسة إلى اليد العاملة، بديلاً لليد العاملة الفلسطينية، ولكي ينجح العدو في مخططه، أقدم على الحدّ من سبل العيش أمام أبناء المنطقة المغزوة، وتدميره الحياة الاقتصادية فيها، كما لجأ إلى العديد من الإجراءات، من فرض ضرائب وخوّات، كل هذا يهدف إلى وضع أبناء هذه المناطق، أمام خيارات صعبة، إما النزوح، أو العمل في إسرائيل، أو الانضمام إلى ميليشياته».
واستمرت سياسة التطبيع، وبدأت السلع الإسرائيلية تغزو الأسواق في المنطقة، وفي الداخل اللبناني أيضاً، عن طريق التهريب، ووصلت بعض السلع إلى الدول العربية كذلك.
من ناحية أخرى، «زار آلاف اللبنانيين إسرائيل، في العطلة، وكانت مشاهدة السيارات الحاملة لوحات لبنانية، تسير على الطرقات الإسرائيلية، وأصبح منظر السياح اللبنانيين، المتجمعين في الفنادق الإسرائيلية، أمراً مألوفاً، كما وجد التجار اللبنانيون السلع الإسرائيلية مثيرة للاهتمام، ليس فقط لبيعها في السوق اللبنانية، بل كذلك لإعادة تصديرها إلى الدول العربية،بعد إعادة توضيبها وتصنيعها بشكل ملائم، وهكذا ازدهرت التجارة بين البلدين، إلى حد أنها فاقت التجارة بين إسرائيل، والعديد من شركائها التجاريين التقليديين في أوروبا».
إن هذه الممارسات كانت تهدف إلى أكثر من عملية تطبيع، ألا وهي عملية تهويد صهيوني، ففي تقرير لبناني رسمي، صادر سنة 1994، حول الشريط، ورد انه، في «إطار عملية التطبيع،ساعدت إسرائيل على بناء سبعة أبنية، تضم 40 غرفة لمدارس في بيت ليف، وعيثا الشعب والعديسة وعين إبل وكفركلا وبلاط ودبين.. وصادرت مستشفى مرجعيون، وزودته أجهزة حديثة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مركز طبابة القضاء في بنت جبيل… ومدّت شركة المياه الإسرائيلية ميكوروت أنابيب مياه إلى14 قرية لبنانية».
لقد تغيرت أمور كثيرة، تشمل مختلف حلقات الدورة الاقتصادية، من ذلك مثلاً «ان نسبة المقيمين في منطقة الشريط، لا تتجاوز العشرين في المئة من المسجلين في سجلات النفوس، في مقابل 70 في المئة وسطياً في سائر المحافظات.
هناك انحسار ديموغرافي واسع جداً، بفعل عوامل عدة، منها الهجرة، خصوصاً هجرة الشباب والأسر، هذا عامل أساسي يؤثر في معدل النشاط الاقتصادي».
كما تبين من دراسة أجريت مع الأمم المتحدة، حول القوى العاملة في لبنان سنة 1996، ان «القوى العاملة لم تنخفض فقط بانخفاض نسبة المقيمين، بل أكثر من ذلك، إذ تبين ان معدل النشاط الاقتصادي في الشريط هو الأدنى، مقارنة مع المحافظات، ولا يتجاوز عدد الذين يعملون، من مجموع المقيمين 23 أو 24 في المئة، في حين يتجاوز 32 في المئة، ويصل إلى 35 في بعض المناطق«.
إن الوضع الاقتصادي في المنطقة، كان يرتبط ارتباطاً مباشراً بالوضع السكاني، فكيف سيتطور الاقتصاد، ويصبح هناك زراعة ناشطة وحرف متطورة، وتجارة رائجة، في ظل وجود سكاني ضعيف ومتواضع جداً، وهجرة متتالية ومتنامية، وضغوطات مستمرة، وممارسات ابتزاز وضرائب وخوّات، وتعديات على الأملاك والأرزاق، وجرف مناطق عديدة، ووجود ألغام في أكثر من مكان.
من الطبيعي إزاء كل ذلك، أن تكون الدورة الاقتصادية في الشريط «ضيقة، عمادها رواتب المجندين، وعائدات العمال داخل إسرائيل، وبعض الأعمال الزراعية القليلة، ويقرّر حدوديون قيمة هذه الدورة بنحو خمسة ملايين دولار شهرياً، يؤكدون انها على صلة مباشرة بالدورة الاقتصادية اللبنانية، إذ يبدو من الواضح ان معظم البضائع والسلع الموجودة في المحال التجارية هناك، لبنانية المنشأ، ويؤكدون أن قسماً لا يستهان به من العمل داخل إسرائيل، يرسله العمال إلى بيروت، مساعدات لأقارب لهم فيها».
وعلى سبيل المثال لا الحصر، يتحدثون عن بلدة عيثرون، ويقولون انها «أكثر البلدات، من حيث تعداد سكانها وبقائهم فيها، ويقول أحد أبنائها، ان خطوة صغيرة قامت بها الدولة، تمثلت برفع سعر محصول التبغ، الذي يعتبر مصدر رزق لمعظم أبناء البلدة، أدّت إلى تراجع عدد العاملين في إسرائيل من أبنائها، إلى نحو النصف. أما بلدة بنت جبيل، ومن أكبر بلدات المنطقة، وأكثرها استقطاباً للأعمال التجارية، إذ تعتبر سوقاً تجذب البائعين والمتسوقين من أبناء المنطقة، وكما لكل بلدة حكايتها الخاصة مع أبنائها، فحكاية بنت جبيل، بعد انحسارها وضيق مجالات الحياة فيها، هي تلك العلاقة المستمرة مع مدينة ميشيغين الأميركية».
قبيل التحرير بأربع سنوات تقريباً، نشرت جريدة النهار تقريراً عن وضع الشريط الحدودي، من الإهمال التاريخي، إلى مواسم «عناقيد الغضب»، جاء فيه، أن «الاحتلال خلّف خسائر اقتصادية كبيرة لمناطق الشريط المحتل، طالت الحجر والبشر والدخل، فبالإضافة إلى أعمال التدمير، التي تركزت في شكل شبه دوري على المباني والمساكن والمؤسسات، والمحاصيل الزراعية، قوّض الاحتلال إلى حدّ بعيد أسس الروابط الاقتصادية، التي كانت تشدّ مناطق الشريط، إلى المدن الجنوبية الأخرى، وقام باستقطاب جزء مهم من اقتصاده، عبر شبكة مكثفة من التدفقات السلعية والمالية والبشرية، وتغيرت تبعاً لذلك مصادر تكوين الدخل، وتغير كذلك نسق الأنشطة الاقتصادية».
بالنسبة للمناطق المحررة، المحاذية للشريط، وخاصة شقراء، برعشيت، حداثا، عيثا الجبل، حاريص، كفرا، ياطر، فإنها رغم تحررها من الاحتلال، فإنها كانت متأثرة سلباً بتداعياته، وتعدياته وقصفه الدائم، بحيث ان الوضع الأمني في هذه البلدات لم يكن مستتباً أبداً، فيكفي أن يتعرض الاحتلال لأية عملية، وكانت العمليات شبه يومية عليه، حتى يعمد إلى قصف المناطق المحاذية، وصحيح أن تفاهم نيسان سنة 1996 قيّد العدو، بضرورة عدم استهداف المدنيين، لكن مجرد القصف، وتحليق الطيران، فإن ذلك كان كافياً لتسميم الأجواء، واضطراب الأوضاع.
إن الحركة الاقتصادية في هذه البلدات، كانت تسير بوتيرة مقبولة، لكن كان المواطنون حذرين باستمرار، لأن تجاربهم مع العدو كانت صعبة جداً، فخلال عدوان سنة 1993، تعرضت البلدات المذكورة لقصف شديد، ودخلها العدو وعملاؤه، وحصلت عمليات سرق ونهب للأرزاق والمحلات والبيوت والسيارات، ومحطات المحروقات، وكذلك سنة 1996، حيث كان عدوان كبير، تخلله مجازر هائلة، ذهب ضحيتها مئات الأبرياء، وتوقفت كل الحركة الاقتصادية في المنطقة، ومن الجدير بالذكر، ان كل الأراضي الواقعة جنوبي شقراء، وبرعشيت وحاريص وحداثا وعيثا الجبل، حتى كفرا وياطر، كانت مناطق خالية إلى حدّ ما من السكان، ولا يستطيع المزارعون والفلاحون التنقل فيها، خوفاً من أية عمليات كوماندوس، كان يمكن للعدو أن يقوم بها.
بشكل عام، يمكن القول صحيح، ان البلدات المحاذية كانت متحررة، الأبواب مفتوحة أمامها إلى شتى الأنحاء، لكنها بالمقابل كانت تعيش يومياً هاجس العدوان، والاجتياح…

النشاطات الاقتصادية في المنطقة
أ ــ الزراعة
ـ واقع الزراعة
تاريخياً، كان جبل عامل مصدراً أساسياً لمنتجات زراعية عديدة، وأشار كل من اهتم بدراسة هذه المنطقة، وأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، وغيرها، إلى النسبة الكبيرة مواطني المنطقة المقيمين فيها، وهم يعتمدون بشكل أو بآخر الزراعة، «فنسبة 32,25% من هؤلاء يعتمدون بشكل كلي على الزراعة، والباقون يعتمدون عليها بشكل جزئي، وان عدد المزارعين في تجمع بنت جبيل (الذي يضم بلدات: برعشيت، بنت جبيل، بيت ياحون، حانين، دبل، رميش، شقراء ودوبين، الطيري، عيثا الشعب، عين إبل، عيثرون، عيناثا، القوزح، كونين، مارون الراس ويارون، والذي كان يضم البلدات المسيحية الأربع، ويستثني بلدات حداثا، رشاف، صربين)، والمسجلين في إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية (الريجي) 3087 مزارعاً، وهؤلاء، قسم يعتمد على مورد اقتصادي آخر (موظف، حرفي، تاجر صغير)، بالمقابل هناك بعض المزارعين الذين يعتمدون على إنتاج زراعي، غير محصول التبغ».
إلى ذلك تشير دراسة، أجرتها وزارة الشؤون الاجتماعية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إلى ان مساحة القضاء هي 27164 دونماً، والمساحة المزروعة فيه سنة 1997 كانت 5997 هكتاراً، أي بنسبة 22%، أما الغابات فمساحتها 1285 هكتاراً، بنسبة 4،7%، والمساحة الحرجية تبلغ 19882 هكتاراً ونسبتها 73،1%.
أما في بلدات التجمع، فإن «مساحة التجمع تبلغ 182303 دونماً، وتبلغ الأراضي المزروعة 50770 دونماً، مقسمة بين زراعات بعلية، مساحتها 50670 دونماً، وقروية مساحتها 100 دونماً فقط، وهي تشكل 22% من المساحة العامة، وتبلغ مساحة الأرض البور، القابلة للزراعة 55150 دونماً، وتشكل 30،2 من المساحة العامة، كما تبلغ المساحة القابلة للاستصلاح 36750 دونماً، وتشكل 20،1% من المساحة العامة. أما المساحات الجرداء والصخرية، فتبلغ 29175 دونماً، وتشكل 16% من المساحة العامة.
أما المساحات الحرجية فتبلغ 10458 دونماً نسبتها 5،7% من المساحة العامة، موزعة على مجموعة أحراج صغيرة في بلدات: يارون، مارون الراس، كونين، بيت ياحون، الطيري، حانين، رميش، عين إبل والقوزح».
إن اندلاع الحرب في لبنان، ثم حصول الاجتياحات المتكررة، كان لها تأثير سلبي كبير على الزراعة، التي أخذت تتراجع تدريجياً، باستثناء زراعة التبغ، التي استمرت على أرجحيتها بالنسبة لكل الزراعات الأخرى، ولكنها كانت تتأثر بنسب مختلفة، بتطور الأوضاع الأمنية، التي كانت تنعكس سلباً على نسبة النزوح والهجرة.
ليست حركة الانتقال من المنطقة (داخل الشريط أو بمحاذاته)، هي الوحيدة التي كانت السبب في تراجع الزراعة، فهناك أسباب أخرى، منها غياب الري، ووجود الألغام في الحقول الموجودة على الحدود، وفي المناطق الواقعة على خطوط التماس، بين المنطقة المحتلة والأخرى المحررة، وبيع أراضٍ واسعة للمغتربين، وهي لا تزرع إلا فيما ندر، وبقاء معظم أراضي المالكيت الكبار بوراً، وعدم تفتت بعض ملكيات هؤلاء لمصلحة المزارعين، ويكفي أن نقول، ان «من إجمالي المساحة المزروعة في مناطق الجنوب الداخلية، والبالغة نحو 38،7 ألف هكتار، هناك 3،6 في المئة فقط أراضي مروية، وشكل التبغ 62 في المئة من إجمالي قيمة الإنتاج الزراعي في تلك المناطق».
إن الزراعات البعلية الواسعة الانتشار في المنطقة، «لا تسهم إلا بالنزر اليسير في توفير الدخل للمزارعين، ثم ان الزراعة في هذه المناطق، كانت قليلة الاعتماد على التحديث والمكننة، بسبب تميزها بالتشرذم الشديد، وبضعف حركة الرسملة».
استمر التراجع في النشاط الزراعي في المنطقة، باستثناء التبغ والزيتون، حتى بعد التحرير، لأن القطاع الزراعي بقي يعاني من عدة مشاكل تتمثل بـ«عدم وجود سياسة واضحة لدى الحكومات المتعاقبة، وضعف المردود المادي للإنتاج الزراعي، وتدني الصادرات الزراعية، باستثناء التبغ، إضافة إلى زحف الباطون على الأراضي الزراعية، خاصة في المناطق التي ليس لديها خراج واسع (كبنت جبيل مثلاً)، وانخفاض كمية الأمطار الهاطلة خلال سنوات عديدة، قياساً بما كان يحصل في الستينات حتى التسعينات»، وهذا ملموس وواضح، حتى ان أبناء المنطقة، أصبحوا يتحسرون على أيام الثلج، لأن المناخ شهد تغيرات واضحة، ولم تعد الثلوج تتساقط إلا نادراً، مع ما لها من تأثيرات مهمة في كمية الأمطار الجوفية، وفي القضاء على بعض الحشرات المضّرة، كالفئران على سبيل المثال.
يضاف إلى ذلك، ارتفاع أسعار المحروقات تباعاً، بحيث ان المزارعين أصبحوا لا يتحملون الأسعار الجنونية، والتي تؤثر سلباً على الزراعة من جوانب متعددة، وكذلك عدم وجود إرشاد زراعي المنطقة، ضعف الأجهزة الفنّية العاملة، حيث أن معظم الفنيين تركوا الوطن، وهاجروا إلى ديار الاغتراب، حيث وجدوا هناك مغريات كثيرة، كانت سبباً في جذبهم، فضلاً عن «ارتفاع أسعار الأدوية والأسمدة، والاستعمال السيئ للمبيدات، وبعضها ضار بالتربة، وببعض الحشرات المفيدة، وكذلك ضعف الاستثمار في القطاع الزراعي، وضآلة الاعتمادات المخصصة للزراعة، على الصعيد العام، على وجه الخصوص، حيث أن حصة الزراعة من الموازنة لا تتعدى 1،5%، مع العلم أن الزراعة تساهم بحوالي 12% من الدخل القومي العام».
هناك كذلك مشكلة في عدم وجود أسواق لتصريف الإنتاج، وعدم تأمين نظام ري في المنطقة، وهجرة اليد العاملة في الزراعة، إلى بلاد الاغتراب، وتأثير ذلك على بوار الأرض، وتركها بدون فلاحة وزراعة، وأيضاً ضعف التسليف الزراعي، وهو على الصعيد اللبناني، لا يزال يشكل حوالي 10% من إجمالي التسليفات للقطاعات الاقتصادية، وأخيراً ضعف استخدام زراعات مكمّلة (وليس بديلة)، والتدمير المتعمّد للقطاع الزراعي، الذي أفقد لبنان ثروة هائلة، وساهم في تدمير البيئة الاجتماعية.
ولأن الزراعة لا تزال في المجتمع الجنوبي، أهم المقومات التي يرتكز عليها أي تطور اقتصادي، ولكي يكون هناك تنمية اقتصادية شاملة، وتوفير غذاء، وتطوير الناتج الوطني، وتشجيع التبادل التجاري، وتحسين الوضع الحرفي، يجب ان يكون هناك سياسة زراعية واضحة، تحدّد بداية الواقع الفعلي والصحيح للزراعة، من أجل إيجاد الحلول الموضوعية لمعالجة المشاكل التي تعترضها، وإيجاد السبل لتطويرها، والنهوض بواقعها وتحقيق أهدافها.
ولا شك أن للمشاريع التنموية الزراعية أهدافاً، تتوق إلى تطوير الواقع المعيشي للمواطن، وتوفير الاحتياجات الغذائية، بالتوازن مع الدخل الفردي، وتقريب الفارق بالأوضاع المعيشية بين الريف والمدينة، وزيادة معدلات الاكتفاء الذاتي، من السلع الغذائية الرئيسية، وتحقيق التكامل بين القطاع الزراعي والقطاعات الأخرى، وتأمين متطلبات الصناعة المحلية، وتوفير كميات من الفائض للتصدير.
المهم، ان إجراءات تطوير القطاع الزراعي، تهدف في النهاية إلى تحقيق الإصلاح، والتطوير في المجال التنموي.
نظراً لبقاء أهمية الزراعة، كأحد النشاطات الرئيسية في اقتصاد المنطقة إلى جانب النشاطات الأخرى، يتكرر «التحدي في محاولة تعزيز تنافسية هذا القطاع، عبر إيجاد إنتاج زراعي جديد، أو قديم متجدد، يتميز بقيمة مضافة مرتفعة، تتمكن بلدات (الاتحاد)، من خلال رسم دور زراعي، يميزها عن المناطق المحيطة، وهو دور كانت قد خسرته، بسبب ظروف عدة، أهمها الاحتلال والأعمال العسكرية، والسؤال هنا، هل يمكن التأسيس لنشاط زراعي منافس، في ظل عدم وجود ري، وهل من الممكن التفكير بزراعات رديفة يمكن ان ترفد زراعة التبغ، وربما تكون بديلاً في المستقبل، عندما تقرر الدولة وقف الدعم. وهل من الممكن التفكير بتصنيع زراعي وحيواني، وتسهيل عملية تسويقية في الأسواق المحلية».
وحول موضوع تنافسية التبغ وغيره، يبدو أن التبغ سابقاً كان ينافس، وكان يتكامل مع ثروة حيوانية، وحبوب وزيتون، توقف التبغ في أماكن، وحلّ مكانه الزيتون، فهل يمكن المنافسة بالزيتون، أو بالزعتر، أو غيره من النباتات العطرية والطبية.

ــ أنواع الزراعات
زراعة الحبوب
كانت هذه الزراعة ترتدي أهمية خاصة، باعتبارها المصدر الغذائي الرئيسي لسكان المنطقة، إلى جانب زراعة التبغ وغيره.
ومن المعروف أن فلاحي المنطقة ومزارعيها، كانوا يزرعون الحبوب على أنواعها، خاصة وان العادة لدى هؤلاء، ان لا تزرع الأرض سنوياً بنفس الزراعة، حتى لا تضعف التربة، وعلى سبيل المثال، فإن الأرض تزرع تبغاً سنة، وفي السنة التالية تزرع حبوباً، وهكذا.
إن معيشة الفلاحين، كان أساسها القمح، إضافة إلى العدس والفول والحمص والسمسم والذرة، أما من أجل المواشي، فكان الفلاحون يزرعون الشعير والباقيه والكرسنّة، وكانت البلدات، المعنية بالدراسة، والمشكِّلة للاتحاد، تنتج كميات كبيرة من الحبوب، وخاصة مارون الراس، عيثرون، يارون، كونين، الطيري، عيثا الشعب، شقرا، برعشيت، رشاف، صربين وبنت جبيل.
ومن الطبيعي، ان الإنتاج كان يفيض عن الاستهلاك المحلي، بالرغم من أن طحين القمح كان يستعمل لصناعة الخبز البيتي، في كل المنطقة، والفائض كان يتم بيعه في الأسواق، وبالنسبة للبلدات المذكورة، فإنها كانت تبيع حبوبها في سوق بنت جبيل، الذي كان فيه جناح خاص، يعتبر من أهم أجنحة السوق، ويسمى «سوق الغلّة»، كما ان بعض تجار الجملة، من المنطقة، كانوا يشترون الحبوب من الفلاحين، ويبيعونها لتجار المدن، وخاصة في صور وصيدا وبيروت.
منذ السبعينات من القرن العشرين، شهدت هذه الزراعة بعض التحسن، نظراً لاستعمال بعض الآلات الحديثة، من تراكتور وحصّادة ودرّاسة، إضافة إلى استعمال الأسمدة الزراعية، كما ان تجارة التبن لصناعة الورق والأخشاب، كانت تشجع على زراعة الحبوب، لأن أسعار التبن تغطي جزءاً مهماً من تكاليف الإنتاج.
إن الاجتياحات التي حصلت، وخلّفت نزوحاً وهجرة، ومن ثم ضآلة في اليد العاملة، ساهمت في بدء تراجع هذه الزراعة، كما ان التوسع في زراعة التبغ كان يأتي على حساب زراعة الحبوب، كما أن الاعتماد على الطحين المستورد، ساهم في تراجع الزراعات المحلية.
إن ازدياد تكاليف زراعة الحبوب، وارتفاعها، جعلت الفلاحين يتراجعون تدريجياً عن هذه الزراعة، والتفتيش عن مصادر أخرى للمعيشة، ولا نبالغ إذا قلنا ان مساحات واسعة من أراضي مرج يارون، ومرج يارون، وأراضي عيثرون وعيثا الشعب، وغيرها من البلدات، أضحت خلال فترة من الفترات بوراً، لا تزرع إلا فيما ندر، بعد هجرها من قبل أبنائها، أو نزوحهم إلى الداخل اللبناني.
بعد التحرير، لم يتغير شيء على زراعة الحبوب في بلدات الاتحاد، خاصة وأن أغلبية المواطنين أصبحوا يعتمدون على الطحين الأبيض، المستورد من مطاحن الداخل اللبناني، وقليل من الفلاحين لا يزالون يزرعون القمح، والشعير، لأن طحين القمح مطلوب جداً للأفران، التي تصنِّع الخبز البلدي الصحي (للريجيم)، وكذلك بالنسبة للشعير.
لا بدّ من الإشارة، انه بالرغم من دخول الآلات في الزراعة والحصاد، الا أن التغير المناخي الحاصل منذ عدة سنوات، والذي يؤدي إلى شحّ في الأمطار، وارتفاع أسعار الأسمدة والأدوية، ساهم في تجميد وضع زراعة الحبوب.
أما الحمص والفول والعدس، فيبدو أن زراعتها هو للاستهلاك البيتي، أكثر منه للتسويق.

ــ زراعة الخضار
كانت أراضي بلدات الاتحاد تزرع بالخضار، وخاصة البندورة، الكوسى، القثاء، الفجل، وفي وقت لاحق الشمام، البطيخ، وكان الإنتاج فبل سنة 1975 يفيض عن الاستهلاك المحلي، وكنا نرى مزارعي كفرا وياطر وحاريص وكونين وبيت ياحون والطيري، وعيثرون، يبيعون بعض إنتاجهم في سوق بنت جبيل، وقبلها كان في هذا السوق «حسبة»، يصّرف فيها كل الإنتاج، من قبل بائعي الخضار، بالمفرق، في البلدات والقرى.
وكان تأثير الاجتياحات سلبياً على هذه الزراعة، التي راحت تتراجع تدريجياً، بحيث أنه لم يبق، في كل بلدة، إلا عدد قليل من المزارعين، الذين يهتمون بزراعة «السحاري» في الصيف.
إذا كان هذا وضع البلدات التي كانت ضمن الشريط، فإن حال البلدات الأخرى المتاخمة، لم يكن أفضل، خاصة في الحقول المتاخمة، التي كانت عرضة باستمرار للقصف، والتعديات، حيث تعطلت فيها الحياة الزراعية.
وساعد في تراجع زراعة الخضار في بلدات الشريط، محاولة العدو إغراق المنطقة بأنواع عديدة من الخضار، التي كانت أثمانها أرخص من الخضار المحلية واللبنانية، ولأن المنطقة غير مروية، فإن الإنتاج كان يبدو دائماً محدوداً.
أما في بلدات الاتحاد المتاخمة، فإن الأهالي كانوا يعتمدون على أسواق الجملة في صور وصيدا، للحصول على أنواع الخضار، أما مزارعو الخضار المحليون، فإن إنتاجهم كان متواضعاً، بحيث ان الفائض قليل، ويباع محلياً.
هناك زراعة متطورة في بعض البلدات المحررة، وخاصة برعشيت، وهي زراعة الشمام أولاً، ثم البطيخ، حتى أن الشمام البرعشيدي أصبح مشهوراً على الصعيد الوطني.
بعد التحرير، استعادت زراعة الخضار حيويتها في كل بلدات الاتحاد، إنما بنسب مختلفة، وساهمت طريقة الري بالنقطة في زيادة الإنتاج، ومن ثم التسويق، في كل الأسواق، من صور إلى بيروت.
لا بدّ من الإشارة إلى أن الأراضي البعلية تعطي إنتاجاً أكثر جودة من الأراضي المروية، ومعظم زراعات الخضار في الاتحاد هي غير مروية، إلا بحدود قليلة جداً، والزراعات المروية تُسَوّق في الداخل اللبناني، أما الزراعات البعلية فتُسوّق داخل القرى، في الساحات العامة، وهذا ما أشار إليه تقرير من المنطقة، يبرز مسألة «تحوّل طرق وساحات البلدات والقرى الجنوبية، إلى أسواق للمنتوجات الزراعية الصيفية، لا سيما ما تجود به «السحاري» من خضار، بندورة وخيار وقثاء وكوسى، وغيرها، بالإضافة إلى بعض الفواكه، وأهمها البطيخ والشمام، وتعتبر تلك الزراعة الموسمية مصدر داخل إضافياً، لمعظم المزارعين الذين يبحثون دائماً عن مصدر لترقيع ميزانيتهم».
ويرى أحد المزارعين، أن «القصد من البسّطات التي تنتشر بالمئات، هو تمكين أهالي المنطقة، من سكان المدن، الحصول على منتجات بلدية غير مسمّدة، وهي بمعظمها بعلية».
حول المشاكل التي يعاني منها مزارعو هذه الأصناف، فمنها قلة الأمطار في بعض المواسم، كما ان سعر الأنواع يكون عادةً أغلى قليلاً مما هو موجود في السوق، نظراً لارتفاع كلفة الإنتاج، من حرث وري وعناية، إلا أن ذلك الفرق في السعر، عادة ما يتحمله المستهلك والزبون، ويرى أحد المزارعين ان «ما يُحمل إلينا من منتوجات زراعية مستوردة، ويوضع في منافسة غير متكافئة مع الإنتاج المحلي، يصيبنا أحياناً بضربات قاتلة».

ــ زراعة التين
شجرة التين من الأشجار المقدسة، من باب ما ورد في القرآن الكريم، من ذكر لها، مقرونة بشجرة الزيتون، وعرفها أبناء المنطقة، في كل بلدات الاتحاد بدون استثناء، منذ مئات السنين، وحتى اليوم.
كان للتين المنتج في المنطقة (شريحة ودحروب)، شهرة واسعة، حتى انه كان يصدر إلى الجوار العربي، وخاصة إلى جمهورية مصر العربية، واستمر ذلك إلى عقود طويلة من الزمن، وكانت تجارة التين تساهم في دعم الاقتصاد الريفي، ويرتبط بالتين أيضاً دبس التين، الذي كان أحد أنواع مونه الفلاحين.
تعرضت زراعة التين إلى الضمور مرتين أساسيتين، «المرة الأولى بعد انتشار زراعة التبغ، والمرة الثانية، بعد انتشار «الروح المدنية»، حيث باتت زراعته وصناعته في طريق الزوال».
ولأن شجرة التين معرضة كغيرها، أو أكثر، للأمراض والحشرات، فإنها انتهت إلى مصير مأساوي، بسبب توقف الاعتناء بها، وعدم حراثة الأرض وتسميدها.
إن كثيراً من مزارعي التبغ في بلدات في المنطقة، قضوا على أشجار التين في أراضيهم، طمعاً برخص لزراعة الدخان، لأن هذه الزراعة الأخيرة مدعومة وإنتاجها مؤمن تصريفه، بينما التين افتقد أسواقه الخارجية، والسوق الداخلي ضيّق.
منذ عدة سنوات، ولأن شجرة التين ترتبط بالتراث والذاكرة، وترتبط بالإنسان العاملي، الذي عرفها وتعامل معها، وأعطته من إنتاجها، منذ سنين طويلة وطويلة، ولأن التين تحوّل إلى فاكهة نادرة، ارتفع سعرها، فإن هناك عودة مستجدة لزراعتها، إنما ليس على نطاق واسع، وليس للتصدير إلى الأسواق الداخلية، وإنما للسوق المحلي، خاصة وان التين تحوّل من فاكهة للفقراء، ومن جزء من مونتهم الشتوية، إلى فاكهة مطلوبة على نطاق واسع من قبل الميسورين والأغنياء.

ــ زراعة الزيتون
وحدها شجرة الزيتون شهدت تطوراً ملحوظاً في زراعتها، في كل بلدات الاتحاد، وذلك بالرغم من الأحداث الأمنية التي شهدتها المنطقة، ببلداتها داخل الشريط، وخارجه.
التطور الذي حصل، ليس في كمية نصوب الزيتون فقط، وإنما بنوعيته، التي تغيرت، لأن الزيتون القديم، معظمه من النوع الروماني، أو الطلياني، والذي دخل إلى المنطقة، كما يقال، مع علاقات الأمير فخر الدين بإيطاليا.
ويبدو أن أراضي بلدات المنطقة، وطبيعة مناخها، ودرجات الحرارة والرطوبة، والمواد العضوية المتوفرة فيها، وطبيعة السكان الزراعية، كلها عوامل مؤثرة في انتشار زراعة الزيتون، إلى جانب الكرمة والتين والتبغ، وللدلالة على أهمية هذه الزراعة، نشير إلى وجود عدد من المعاصر القديمة، وخاصة في عيثرون (أربع معاصر) الطيري، عيثا الشعب، بيت ليف، وكلها كانت أحجارها تدار بواسطة الحيوانات.
إنتاج هذه الزراعة، كان يكفي للاستهلاك المحلي في بعض البلدات (عيثرون، الطيري، حانين، رشاف، صربين)، ولا يكفي في بلدات أخرى مثل (بنت جبيل، عيناثا، يارون، شقراء، برعشيت..)، وسكان هذه البلدات كانوا يؤمنون مونتهم من فائض زيت البلدات الأخرى المجاورة.
بعد التوسع في زراعة التبغ، شهدت زراعة الزيتون تراجعاً واضحاً، حتى أن بعض الأشخاص اضطروا إلى اقتلاع أشجار الزيتون من أراضيهم، طمعاً بإعطائهم رخصة دخان، لأن إعطاء الرخصة، كان مقروناً بوجوب ألا تكون الأرض مشجرة.
وللدلالة على تراجع زراعة الزيتون أمام زراعة التبغ، نشير ان عدد رخص التبغ ارتفع في بنت جبيل من 172 رخصة سنة 1965، إلى 442 رخصة سنة 1966، ثم قفز إلى 966 رخصة سنة 1970»، وهذه الزيادة التي حصلت، كانت على حساب زراعة الحبوب والزيتون والتين وغيرها.
بعد الاجتياح واحتلال المنطقة، لم تتطور زراعة الزيتون في بلدات الاتحاد، إلا بشكل بطيء داخل الشريط، أما في البلدات الأخرى فإن تطور هذه الزراعة كان أفضل.
بعد التحرير، كانت هناك نهضة زراعية، لكثير من الأنواع، وخاصة الزيتون، وتحديداً بعد أن أصبحت المنطقة تتلقى العديد من المساعدات الزراعية، وخاصة من سوريا.
وفي تحقيق أجرته مراسلة النهار من المنطقة، أواخر سنة 2004، اعتبرت ان «قطاف الزيتون يأتي في الدرجة الثانية كمصدر رزق للمزارعين بعد التبغ، وان هذا الموسم الخيِّر كان لأعوام خلت وفيراً، أما سنة 2004، فيواجه المزارع مع قطافه صعوبات جمّة، منها مادية، وأخرى في تصريفه، إلى جانب معاناته طوال السنة، لتأمين الأدوية والأسمدة، على نفقته الخاصة، في غياب توزيعها بانتظام من التعاونيات الزراعية، التي تكاد تنتشر في معظم القرى»، وفي وصف حالة المزارعين، والمعاناة التي يعيشون في ظلّها، تلاحظ المراسلة، ان المزارع، «يعاني ندرة الفلاحين، الذين يتولون الحراثة التقليدية، التي حلّت محلها الحراثة بواسطة الجرار الزراعي، الذي يصعب عليه الحراثة في محيط جذع الشجرة، فيضطر المزارع إلى استئجار عامل للقيام بذلك، وعند القطاف، تبرز مشكلة قلة اليد العاملة، بسبب هجرة العائلات، فقلّت «العونه» وحلّت مكانها اليد العاملة المستأجرة، التي تضيف عبئاً جديداً عليه»، وهذا يؤثر بدوره على أسعار الزيت، التي ترتفع في المنطقة، بسبب كثرة التكاليف، وهذا ما لا تتنبه له وزارات الزراعة المتعاقبة، التي يصرّح مسؤولوها، بأن كلفة تنكة الزيت، وزن 16 كلغ، يجب ألا يرتفع أكثر من 40 دولاراً أميركياً، أي حوالي 60 ألف ليرة لبنانية، وهذه مسألة مستحيلة، إلا إذا كان المزارع وعائلته هم الذين يقومون بكافة الأعمال، في كل مراحلها، من الحراثة والتسميد حتى آخر نقطة زيت يتم الحصول عليها.
نشير إلى مسألة مهمة، وهي انتشار المعاصر الاتوماتيكية الحديثة، أو نصف أوتوماتيكية، واندثرت إلى حدّ ما معاصر الحجر القديمة، التي كانت تتطلب عدداً أكبر من الأيدي العاملة، لكن بقيت نوعية الزيت المستخرج من هذه المعاصر أكثر جودة.
من أهم المعاصر الموجودة في منطقة الاتحاد: معصرة عيثرون، معاصر عيثا لاشعب، معصرة بيت ليف، معصرة الطيري، معصرة عيناثا ـ بنت جبيل، ومعصرة كونين.
لقد حصل عدوان تموز سنة 2006، وكانت ضربة كبيرة لحقول الزيتون، حيث لم يبق حقل في المنطقة، إلا وطالته قذائف المدفعية والصواريخ، وكان الأمر الأصعب والأكثر خطورة القنابل العنقودية، التي نشرها العدو في كل مكان، وفي الأيام الأخيرة لحرب تموز.
لقد ارتفعت أسعار الزيت، بعد الحرب، وخاصة في سنتي 2007 و2008، حيث بيعت الصفيحة الواحدة بين مئة ومئة وخمسين دولاراً أميركياً، بعد أن كان بيعت في الأعوام السابقة بين 120 و130 ألف ليرة لبنانية فقط، وسبب ارتفاع الأسعار، ان الإنتاج كان محدوداً نسبياً.
في العام 2010، تفاوتت نسبة إنتاج موسم الزيتون في المنطقة، لكن بقيت الأسعار مرتفعة، «ليصل سعر الصفيحة بوزن 16 كلغ إلى 150 دولاراً، ويتراوح سعر الكلغ الواحد من الزيتون الأخضر والأسود للمؤونة بين 2500 و3500 ليرة».
وفي مسألة تغليب بعض المزارعين في بلدات الاتحاد، زراعة التبغ على زراعة الزيتون، رغم أن هذه الزراعة الأخيرة تطورت في بعض البلدات، على حساب زراعة التبغ والحبوب، فإن هؤلاء لا يعوّلون على هذه الزراعة وإنتاجها «نظراً لأسعارها المتهاودة، مقارنة بالأسعار المرتفعة للمزروعات الأخرى، من الخضار والفاكهة وغيرها، لأن ما يترتب على المزارعين تجاه هذه الزراعة، من الأكلاف المادية، لا يوازي الجهد والتعب المبذولين من أجلها، ويضطر المزارع إلى الاعتماد على زراعة التبغ (ليس في كل البلدات)، ذات المردود المادي المقبول، جرّاء الأسعار المدعومة من الدولة، فيما تفتقر زراعة الزيتون لأدنى مقومات الدعم الحكومي».
في أواخر موسم سنة 2011، وكان موسماً جيداً بالنسبة للإنتاج، حصل كساد لكميات من الزيت، واتخذت وزارة الزراعة قراراً بشراء الفائض من المزارعين، بعد فحصه في مختبرات خاصة، ووضعت الزراعة سعرين للزيت، بحيث يتم شراء الزيت ذي الجودة المتواضعة بحدود 110 آلاف ليرة، بينما يتم شراء الزيت عالي الجودة بحدود 125 ليرة لبنانية.
وحتى شهر شباط سنة 2012، لم يكن المركز الزراعي في مركز القضاء قد انتهى من فحص نوعيات الزيت، لشرائها، ويشار إلى أن هذا الزيت يتم تجميعه في بلدة كونين.

اترك تعليقا