صورة مفقودة

مناجاة إلى بلدتي مارون الراس

بلدتي جارة القمر، رفيقة الأنس في سهره.. أوّل من يستقبل الشمس، وآخر من يودّعها، لا تقوى على هجرها، وهي الحارسة الرابضة على تلك التلّة الأبيّة، تتربّع على عرش جمالها بهيبة وجلال، تتناثر بيوتها حبّات عقد فريد، في أحضان أعلى هضاب جبل عامل.
إنها مارون الراس، جارة فلسطين السليبة، وذاكرة جراحها ونزفها. القريةُ المتحدية لكل معتدٍ آثمٍ طامعٍ. رجالها أشداءُ، عجم الدهرُ عودهم، وخبر شكيمتهم. أهل الكرم والجود المتأصلّ، يجودُ الواحدُ منهم ولو على حساب لقمة العيال.
بلدتي، ما أحلاكِ، والندى يلفّك بشاله المهيبّ! وأنتِ كعروس ترفل بثوب الحشمة والوقار، فيقف الناظر إليك، من البعيد، بخشوع، تعتريه رهبةً من عليائك وجلالكِ وسموّ مقامكِ.
في ربوعك تتصالح الفصول، فلا يعتدي أحدها على غيره، بل ينتظر بأدب دوره ليبسط نفوذه، ويمارس حريته من غير تصنعٍ أو تزييفٍ، فالشتاء غضب وزمهرير، وبساطُ طهر يكللُ تاجَ الجنوبِ بالأبيض الناصع. وما إن تفتر همّة الرياح والعواصف حتى يقبل الربيع بخفر، وإن متأخراً عن الجوار، فتستسلم له برفق سفوح بلدتي ووديانها، ليرسم بريشته المبدعة، ويلوّن لوحته بسحر يفوق الخيال، وإذا راياتُ الجمال شاخصةٌ تسلبُ اللب، وتستولي على المشاعر. وما إن تتثاقل خطى الربيع، حتى تطلّ شمس الصيف، فيلازمونها ويلوذون بحماها. وماذا يبقى للخريف الهادئ سوى القيام بدور الحكم بين الصيف والشتاء؟ لكنه باكراً ينذر المصطافين بضرورة إعداد العدّة للهرب من غضبة الشتاء القادم. بلدتي الحبيبة، لئن نأت بنا عنك الظروف، فأنت دائماً في البال، فيكِ اكتحلت عيناي بأوائل النور، في ربوعك درجت، وما ارتوى ظمأى بعد من سحرك وجمالك، الذي حرّك أوتار فؤادي، وهمس في أذني أسرار الوجود.
الجعبة ملأى، والوقت دون المقاصد…
إلى اللقاء، لك الحبُ والوفاءُ.

اترك تعليقا