صورة مفقودة

بعض العادات والتقاليد في المنطقة

معظم البلدات في المنطقة، ومنها البلدات التي يتشكل منها اتحاد بلديات قضاء بنت جبيل، فيها عادات وتقاليد شبيهة بما حولها من البلدات الأخرى، وإذا كان هناك من فوارق، فهي قليلة جداً، وليست جذرية، حتى بالنسبة لشمال فلسطين، وخاصة بلدات وقرى الجليل، فإن لديها عادات وتقاليد مشابهة لما هو موجود في جبل عامل، وهناك كثير من الحداء العاملي، ربما يكون مأخوذاً من الجليل.
ويذكر كبار السن في المنطقة، أنهم كانوا يتشاركون مع قرى وبلدات الجليل في مناسبات الأفراح والأتراح، وهناك بعض رجال الدين، كانوا يسكنون لفترات معينة في بعض القرى الشيعية المحاذية للحدود اللبنانية، وهي بالطبع قرى لبنانية، ضمت إلى فلسطين بعد العشرينات، نتيجة اتفاق «حسن الجوار»، بين الفرنسيين والانكليز، واتفاقات أخرى، امتدت حتى ما قبل سقوط فلسطين، وهذا زا من تطور العلاقات الاجتماعية.
عادات الزواج
ـ هناك عادات عاملية للزواج، خاصة وان هذا الأمر كان ولا يزال الشغل الشاغل للأهل، فهم يهتمون بتزويج أبنائهم في سن مبكرة، وكون المجتمع زراعياً، فإن الأهل كانوا يبكّرون بإتمام «ثلثي دين» أبنائهم، وتأسيس عائلة، تساعد في العمل الزراعي.
الزواج كان يتوقف على مشيئة الأب، وقبله الجد، إذا كان على قيد الحياة، والأفضلية في الزواج كانت من بنت العم، بهدف المحافظة على عصب العائلة، وإبقاء الأرض ضمن البيت العائلي، خاصة إذا كان المهر عبارة عن أرض، وما كان أكثره، لأن الأرض لم يكن لها قيمة كبيرة قديماً، والفتاة كانت تعطى أرضاً غير زراعية، في خراج البلدات، وهذه المسألة تمّ التنبّه لها لاحقاً، لأن هذه الأرض أصبحت تستعمل للبناء، فارتفعت أثمانها، أكثر بكثير من الأراضي الزراعية.
عندما كان أحد الشباب، يتقدم عبر أهله، لطلب يد عروس، فإن الجواب الأول، من قبل الأب يكون: «عندي مشاورة»، وهي تعني مشاورة إخوته أولاً، فالأفضلية هي لأولادهم.
أحياناً كان الوالد يتهرب من طالبي يد ابنته، فيقول لهم أن ابنته مطلوبة لابن عمها.
هناك حالات نادرة، كان يفرض الأهل على البنت الزواج من ابن عمها، دون أن يكون لها رأي في ذلك، فإما ان تكون مرتبطة بحب أحد الشباب، أو انها لا تريد الزواج من ابن عمها الذي تعتبره كأخيها، وهنا تقع بعض المشاكل، خاصة أن الأب لا يريد أن يفشّل أخاه، وان يجعل بينه وبين أخيه فجوة، من الصعب ان تندمل.
أحياناً، كان الأهل يحاولون الابتعاد عن تزويج أبنائهم من بنات أعمامهم، خاصة إذا كانت العلاقات مشوبة بعدم الودّ، وذلك تمشياً مع المثل القائل: «الأقارب عقارب»، أو تفادياً لحدوث مشاكل في المستقبل، تؤثر سلباً على العلاقات بين الأقارب.
أبرز سمات الزواج سابقاً كانت المسألة الطبقية، فأبناء الأغنياء والتجار وأصحاب العقارات الكبيرة والزعماء، لا يتزوجون إلا بنات أشخاص ذوي مراتب اجتماعية عالية.
وأبناء الفقراء أيضاً، كانوا يفتشون على بنات من أمثالهم، ونادراً ما كان يحدث عكس ذلك، وكان من الصعب أن يطلب أحد الفقراء لابنه فتاة من بيت مرموق وغني، لأن الطلب يرفض غالباً.
هناك حالات يتم فيها زواج شاب من فئة اجتماعية رفيعة، من فتاة من فئة اجتماعية أدنى، بسبب حبّ شديد، تمشياً مع المثل القائل: «حِبّ حبيبك ولو كان عبداً أسود».
كذلك كان يتم زواج بنات الزعماء، من أبناء زعماء آخرين، في بلدات أخرى، أو في البلدة نفسها.
علماء الدين كانوا يزوجون بناتهم وأبناءهم من أبناء وبنات العائلات الدينية الأخرى.
وهناك عائلات دينية في بعض البلدات، بقي الزواج ضمنها داخلياً، بحيث كان يمنع على الفتاة أن تتزوج من خارج عائلتها.
في بعض البلدات، هناك شباب ينتمون إلى عائلات دينية معينة، تزوجوا من فتيات من غير عائلاتهم، رغماً عن إرادة الأهل، لكن فرض على الشباب الطلاق لاحقاً.
إن هذه المسألة الطبقية لم تستمر أبداً، فقد اضمحلّت تدريجياً، باتجاه تجاوز العادات والتقاليد القديمة المتأصلة والموروثة، وهذا التطور بدأ بشكل رئيسي بعد الأربعينات والخمسينيات من القرن العشرين، حيث لعب التعليم والوظائف والخروج إلى المدينة وانتشار الوعي، دوراً أساسياً في تراجع التقاليد القديمة، والشواهد على ذلك كثيرة.
السمة الأخرى للزواج في المنطقة، هي سمة الزواج الداخلي، أي بين أقارب الأب، أو بين أبناء العائلة الواحدة، الكبيرة ولا غرابة في هذا الأمر، فالزواج العربي بشكل عام ينحو هذا المنحى، حيث يتم الزواج ضمن «الأجباب» الواحدة.
وهناك دلائل واضحة في بلدات القضاء، المعنية بالبحث، أن الزواج الأساسي كان يتم بشكل واضح داخل هذه الأجباب.

بعض الأمثال المتداولة في المنطقة
أكثر الأمثال أطلقت نتيجة حوادث حصلت، والمثل لا يبقى محصوراً في مكانه، إنما ينتقل من مكان لآخر، وكثير منها يصلح أن تكون حكماً، تحث الإنسان على التقيد بها، بالأخذ أو الابتعاد، تمشياً مع المثل القائل: «إسأل مجرّب ولا تسأل حكيم»، وهكذا فإن المثل يتميز بغايته في التعلم والإفهام، بأسلوب موجز، بليغ، والمثل الشعبي قادر على تشخيص ملامح الشعب، والأمثال تعالج نواحي الحياة كافة، من اجتماعية واقتصادية وسياسية ونفسية للإنسان، مثل: الكرم، البخل، التفاؤل، التشاؤم، القناعة، الرجل، الامرأة، الجدّ، الحرف والأشغال وغير ذلك، من هذه الأمثلة:
ـ حول ضرورة استعمال القوة:
الحديدة ما بتطوّعها حتى تحميّها/ الرطل بدّو رطلين ووقيّة/ اللي بيدعسلك على رجلك إدعسلوا على رقبتو/ الزيتون ما بيحلى إلا بالرصّ/ الدلال للولد بيخربو/.
ـ التغاوي بالقوة و«شوفة الحال»:
يا جبل ما يهزّك ريح/ ضرب الخناجر غوى والحبس كيفية/ الحبس للرجال/.
ـ في الدعوة إلى عدم التسرع:
ليش عم بتبيعوا فرو الدبّ قبل صيدو/ ما تقول فول حتى يصير بالمكيول/. بدّك تاكل عنب والله بدّك تقتل الناطور/ طلوع السلّم درجة درجة/. غلطة الشاطر بالف غلطة/ خلّ العسل بجرارو لتجي أسعارو/. الغايب عذرو معو/.
ـ حول عدم وضوح الموقف:
إجر بالبور وإجر بالفلاحة/ ضربه عالحافر وضربه عالمسمار/. متل غيم شباط، ما في على قولو رباط/ متل الحرباية كل ساعة بيغر لونو/.
ـ في عدم تنظيم العمل:
بيكون عم يحلق بيصير يقلّع ضراس/ بزحمة العرس طهّروا المقروق/ وقت الحصايد بيغني قصايد/ كلام الليل يمحوه النهار/.
ـ في موضوع الصداقة:
لا تدعُ لصاحبك بالسعادة بتخسرو/ الصديق لوقت الضيق/ صديقك من صَدَقك لا من صدّقك/ إن الطيور على أشكالها تقع/. تصاحبوا كالأقارب وتعاملوا كالأجانب/ الصاحب اللي بتبقيه، لا تأخذ منو ولا تعطيه/ محل الضيق بي ساع ألف صديق/ رافق المسعد بتسعد رافق الغني بيغنيك، ورافق الفقير بيعديك/.
ـ في الكرم يقال:
الجود بالموجود/ الكرم بيغطي ألف عيب/ لاقيني ولا تغدّيني/ الله طعمك كول وأطعم/ بيت السبع ما بيخلى من العظام/ فلان كسّاب وهّاب/ فلان سخيّ الكفّ/ فلان كرم على درب/.
ـ في الأم يقال:
الجنة تحت أقدام الأمهات/ الدنيا أم/ دوّر على الأم ولمّ/ طبّ الطنجرة على تمّها بتطلع البنت لإمّها/.
ـ في الأب يقال:
من قال خيي مطرح بيي كان كذّاب عليّ/ الفرس من الفارس/ الرجل ما بيعيبوا شي/.
ـ في الابن يقال:
الولد فلذة كبد/ فرخ البط عوّام/ ما أعز من الولد إلا ولد الولد/ الولد سر أبيه/ اللي ما عندو ولاد بيحنّي الوداد/ الولد بيخلق وبتخلق رزقتو معو/ قلبي عا ولدي وقلب ولدي عالحجر/.
ـ في علاقة الابن بالعم والخال:
العم مولّى والخال مخلّى/ الولد لو بار بيطلع تلتينو للخال/.
ـ في علاقة الكنة بالحما:
بحاكيك يا كنّة لتسعمي يا جارة/ لولا حبيبي منين شفت الغريبة/.
ـ في علاقة المرأة بزوجها:
اللي ربّنا متمّم سعادتها بيطلع زوجها بجنازتها/ الفرس من الفارس/ الكحيلة بتعرف خيالها/ الرجّال جنّى والمرا بنّى/ البيت اللي ربو مرا كل ما نو لورا/ سلاح المرا دموعها/.

ـ حول الزواج يقال:
ما بتصير رجّال حتى تتزوج/ اللي معو فلوس بياخذ بنت السلطان عروس/ يلّلي متلنا تعا لعنّا/ خذ الأصيلة لو كانت على الحصيرة/ زوان بلادنا ولا قمح الصليبي/ حبّ حبيبك ولو كان عبد أسود/ يا ماخذ القرد على مالو، بروح المال وبيبقى القرد على حالو/ خوذ من أيد صاغت وباعت، ولا تاخذ من أيد سلّقت وجاعت/.
ـ حول التمايز الطبقي:
اللي معو قرش بيسوى قرش/ هذا بسمن وهذا بزيت/ هذا برزّ وهذا بسميد/ العزّ للرز والبرغل شنق حالو/ الغني غنولوا/.
ـ حول الدعوة إلى الحياد والتهرّب من المسؤولية:
صاحب الجحش يشدّ بذيلو/ صباح الخير ما جاري إنت بحالك وأنا بحالي/ شو همّ جونية من هدير البحر/ السوق اللي ما إلك فيه جامكية لا تحضرو/ إلعب وحدك بترجع راضي/ ألف مرّة جبان ولا مرّة الله يرحمو/ فخّار يكسّر بعضو/ إبعد عن الشر وغنيّلو/ حايد عن ضهري بسيطة/، لا بنام بين القبور ولا بشوف منامات وحشه/ عين لا تقشع، قلب لا يوجع/ الهريبة ثلثا المراجل/.
ـ حول التبريج بشخص ما:
العسراوي بحياتو ما قتل واوي/ الثلم الأعوج من الثور الكبير/ فلان شرّابة خرج/ فلان خرج بشرّابة/ فلان رسنو بإيد غيرو/ معقور متل حمير الحجارة/ من حاجتنا للرجال بنعيط للديك يا بو علي/.
ـ حول أهمية الشرط قبل العمل:
الشرط بالحقله ولا خناقة عا البيدر/ اللي أوّلو شرط آخرو رضى/.
ـ حول المبالغة بالتصرف:
جيت تكحّلها عميتها/ العميان إجاهم ولد، كثر ما بقبشوا عليه عموه/ عرج الجمل من شفّتو/ ستّي من غير وحام مريضة/ من تزيّ بغير زيّه يرخص ولا كان غالياَ/ بحبك يا إسوارتي بس مش متل زندي/، بردان بيضرّط لحف/ الجنازة حامية والميّت كلب/.
ـ حول الإصرار على أمر ما:
صاحب الحاجة أرعن/ المريض بيتعلّق على حبال الهوا/.
ـ حول الغربة والغريب:
ما غريب إلا الشيطان/ الغايب عذرو معو/ كل غريب للغريب قريب/ الغربة مضيّعة النسب/.
ـ حول الهديّة يقال:
هدية المقرف ليمون حامض/ الهديّة بليّة/ الهدية ما بترجع/ الهديّة ما بتنهدى/.
ـ حول الغرور يقال:
الديك على مزبلتو صّياح/ القرد بعين إمّو غزال/ ما طار طير وارتفع إلا كما علاّ وقع/ مادح نفسه يقرئك السلام/.

زراعة التبغ في بلدات الاتحاد

عرفت المنطقة زراعة التبغ، منذ أواخر القرن التاسع عشر، وقد اهتم فلاحوها بهذه الزراعة، وجعلوا يزرعوها بالقرب من منازلهم، في (الجورات) أي أراضي الجدار الموجودة بالقرب من البيوت، وتكون أرضاً خصبة، وكان الدخان العاملي من أفضل أنواع التبوغ، وكان يسمى «محزوماً»، حيث كان يعبأ بدون توضيب، كما أصبح الوضع في الأوقات اللاحقة.

استمر الوضع في الزراعة طيلة الفترة، حتى أوائل الثلاثينات من القرن العشرين، وكانت تشكل دخلاً إضافياً إلى منتجيه، من زراعات تقليدية وبعلية، على اعتبار ان من كان يزرع الدخان، فإنه كان يمارس أعمالاً أخرى، زراعية، أو حرفية، أو غير ذلك، وساعد مزارعي الدخان مسالة أن زراعة التبغ كانت حرّة، مباحة، لا قيود عليها، وعلى تجارتها، وحتى تصنيعها، وكان هذا التصنيع يتم في منطقتين هما: النبطية وبنت جبيل، حيث وجدت في كل منهما مصانع، كانت تصدّر إنتاجها إلى سوريا، وإلى فلسطين، ويذكر أن أصحاب معامل الدخان، كانوا يشترون بعض إنتاج المزارعين في المنطقة، وكان لديهم وكلاء، لتأمين كميات الدخان المعدّة للتصنيع.

ثم كان الاحتكار، من قبل شركة الريجي، وكان للأمر ردّة فعل سلبية لدى المزارعين، كما لدى أصحاب المعامل، فقد قيّدت الشركة حرية الزراعة، والتجارة والتصنيع، ولم تعد تسمح للمزارعين بزراعة المساحات التي يريدون هم زراعتها، بل تلك التي تسمح بها الشركة، وهنا ثارت الثائرة، وحصلت انتفاضة معروفة، سقط على أثرها شهداء، وانتقلت الانتفاضة إلى باقي المناطق اللبنانية، وخاصة المدن، ووجدت صداها أيضاً في سوريا.

كانت السلطة والشركة أقوى من الفلاحين والمزارعين، حيث حسم الأمر لمصلحة هؤلاء، و«في منتصف سنة 1936 انعدمت كل مقاومة لإدارة الاحتكار، إثر تسويات جانبية مع أصحاب الشركات السابقة، انتهت بتعيين هؤلاء في مراكز مرموقة، وبإرضاء بعض المتزعمين في الجنوب وبلاد البترون، بإقطاعهم على مناطقهم، وبالوقوف على رأيهم في توزيع الرخص».

ثم كانت الحرب العالمية الثانية، سنة 1939، ولا شك ان ظروفها القاسية، جعلت زراعة التبغ تتعثر، ويعتريها الجهود، وتدنت المساحات المزروعة تبغاً، وذلك بسبب الحاجة إلى القمح والحبوب، لأنه حصل نقص كبير في كميات الحبوب في المنطقة، خاصة وان الفلاحين كانوا يستوردون القمح الحوراني، من منطقة حوران وجوارها، وكانت هذه المسألة ميسّرة، لأن قوافل العامليين باتجاه سوريا، كانت يومية.

في سنة 1950، «ألحقت إدارة حصر التبغ والتنباك (الريجي) بوزارة المالية اللبنانية، وتمّ تعيين مفوض حكومي فدى دائرة الحصر، لتأمين المراقبة ومفتش مالي».

نشير انه بين الأربعينات والسبعينات، كانت هناك قفزة نوعية في عدد مزارعي التبغ، وفي المساحات المزروعة، وإذا أخذت بنت جبيل نموذجاً، فإننا نرى ذلك:

العام                   المساحة المزروعة              عدد المزارعين

1943                  366,9 دونماً                               53 مزارعاً

1958                  561 دونماً                                  109

1951                  561 دونماً                                  108

1952                  560 دونماً                                 112

1956                  538 دونماً                                 106

1963                  593،55 دونماً                             164

1970                  1348 دونماً                             966 مزارعاً

نشير انه في سنة 1962، كان عدد القرى التابعة لمركز القضاء، فيما يتعلق بالتبغ 38، وعدد المزارعين كان 3066 مزارعاً، والمساحة المأذون بزراعتها 9782 دونماً، أما الإنتاج فكان 1142252 كيلو غرام.

وفي سنة 1964 أصبح عدد القرى 37، وعدد المزارعين 6026 (أي تضاعف)، والمساحة كانت 130,536,00م2.

نلاحظ كيف ان شتلة التبغ، قد أصبحت منذ الخمسينات وما فوق، وتحديداً في بداية السبعينات، توفر عملاً مهماً لنسبة عالية من سكان المنطقة، مما ساعد على عملية نزوح معاكس، من المدينة إلى القرى، إنما بنسب مختلفة بين بلدة وأخرى.

وظلت هذه الزراعة تنمو باضطراد، لكن الاعتداءات الإسرائيلية لتي ارتفعت وتيرتها بعد سنة 1970 كان لها أثر في تراجع الزراعة في بعض البلدات، دون ان تتأثر بذلك بلدات أخرى، حتى «هيمنت زراعة الدخان على حقول المنطقة ومروجها، وشدّت الناس إلى أرضهم، الذين استأصلوا أشجار التين والزيتون المباركة عند الفلاح، بحثاً عن الأرض الخصبة، فانكفأت زراعة الحبوب، التي اعتصمت بالتربة الفقيرة، وانقرضت أشكال محددة من الاستغلال الزراعي (الزراعة بالحصه، بالثلث أو بالنصف)، وساد محلها ضمان الأرض واستئجارها».

قلنا ان بداية انحسار التبغ في بعض البلدات، وخاص، تلك المحاذية للحدود الفلسطينية، في أوائل السبعينات، مع تكثيف الاعتداءات الإسرائيلية على هذه القرى والبلدات، و«ساهمت سياسة «الريجي» في تقديم فرص التبرير، ليتخلى الجنوبي عن شتلة التبغ، وانصرافه عن زراعتها».

بالرغم من ذلك، فإن المزارعين الذين اعتادوا على هذه الزراعة، وارتبطت حياتهم المعيشية بمردودها، فقد عاد عدد من المزارعين إلى مزاولة هذه الزراعة، لعدم وجود البديل المقنع، في منطقة الزراعة البعلية، ولكساد الزراعات المحمية في المنطقة المروية، وفي الحالين ما زالت نشاطاً هامشياً لدعم اقتصاد العائلة»

وكانت تتركز المساحة المزروعة في الأماكن التي لم تكن عرضة بشكل مباشر للاعتداءات الإسرائيلية.

لكن كان من الواضح بالنسبة للمزارعين، انه إذا كان احتكار التجار والمرابين هو السبب الأساسي في استغلال الفلاحين، الذين يزرعون الحبوب والخضار، وذلك عبر تحديدهم لأسعار منتوجات أهالي المنطقة، فإن شركة الريجي تحتكر القسم الأخير من إنتاج الفلاحين، الذين يزرعون التبغ.

بالرغم من كل ذلك، فن دور زراعة التبغ الحقيقي في حياة المنطقة، يبلغ أهميته القصوى في «ما توفره هذه الزراعة من فرص للعمل، وهنا يظهر دور التبغ كوسيلة فعّالة في مكافحة البطالة في الريف الجنوبي، وفي الحد من هجرة الجنوبيين، نحو القطاعات الأخرى، والتدفق باتجاه العاصمة، للبحث عن عمل خارج القطاع الزراعي.

وتظهر أهميته الخاصة، في كونه يوفر العمل لليد العاملة النسائية، وللفتيان، الذين يصعب تشغيلهم في قطاعات أخرى غير الزراعة، نظراً لعدم توفر الكفاءات الفنية والذاتية، عند هذه الفئة من القوى العاملة».

البعض لا يقبلون بفرضية ان زراعة التبغ قضت على البطالة، كما هو معلن، وبرأيهم انه «ظهرت بطالة جديدة مقنّعة، ساهم التبغ في تبرير وجودها، كون عبء مجمل الأعمال الزراعية، يقع على كاهل الأولاد والنساء، في الوقت الذي تحرر فيه الرجال من عبء الأعمال الزراعية التقليدية الأخرى، والتي توقفت بسبب الزراعة الجديدة».

وأكثر من ذلك، فالأهم ان التبغ، كزراعة صناعية، حوّل القرى الجنوبية على سوق استهلاكية، حتى لمنتجات غذائية، كانت نتيجتها فوقت قريب، فضلاً عن ذلك، لم يؤد إلى نشوء فائض إنتاج، يساهم بإطلاق مشاريع تنموية جديدة، فالمزارع كان دائماً عند حدود الاكتفاء أو دونه، كما ان عدداً من الصناعات الحرفية الغذائية قد توقف، كصناعة الزيت (استخراجه من الزيتون)، والصابون (البلدي)، والدبس (تين وعنب) والخل والزبيب والتين المجفف، بع أن تم تدمير حقول التين، وكروم العنب.. وهذا يعني ان التبغ أعاق، من حيث المردود ونمط الإنتاج، أي احتمالات للمكننة.. وعلى الرغم من ذلك، ظلت هذه الزراعة العمود الفقري لاقتصاد القرى الجنوبية، في غياب المشاريع الإنتاجية البديلة».

ظلت زراعة التبغ تحافظ على أهميتها، حتى مطلع الحرب الأهلية، حيث منيت بنكسة كبيرة، مرّ المزارع فيها بأزمات خانقة، كادت تدفعه إلى غياهب الجوع، لو لم تبادر بعض الأسواق العربية، وتفتح متنفساً لمحاصيله الكاسدة، من غير ان تجعله يطمئن كثيراً إلى ان أبوابها ستظل مشرّعة، أمام كساد محاصيله، حتى يئس من جدوى هذه النبته، وكفر بها، وأدار لها ظهره، مصوباً وجهه نحو عمل ميسور ومنتج في دول الخليج، وعدد من الدول العربية الغنية، في حين فتش آخرون عن مصالح وزراعات بديلة، كان لها ان تأخذ الدور نفسه لزراعة التبغ، وان تواجه فيما بعد أزمات ونكبات».

بقي الوضع يسير على نفس الوتيرة حتى سنة 1978، حيث حصل الاجتياح الثني، وكانت له آثاره على مجمل الوضع في المنطقة، وعلى الديموغافيا فيها، وعلى النشاطات الاقتصادية.

تأثير الاجتياحات على زراعة

التبغ في بلدات الاتحاد

للدلالة على الوضع في هذه البلدات، من حيث زراعة التبغ، نشير إلى وجود تذبذب في عدد المزارعين، وبالتالي، تأثير على المساحات المزروعة، وعلى الإنتاج، وذلك من خلال الإحصائيات التي نوردها كما يأتي:

1978 اسم البلدة                           عدد المزارعين         المساحة المزروعة

بنت جبيل                                            173                           224750 م2

عيناثا                                                  138                           203950م2

كونين                                                 133                           190350م2

بيت ياحون                                            22                            50150م2

الطيري                                               122                           343650م2

مارون الراس                                      106                           131200م2

يارون                                                693                           1252100م2

عيثرون                                             908                           1709و200م2

من خلال هذه الإحصائية نلاحظ ان بلدة عيثرون تتبوأ مركز الصدارة في زراعة التبغ، في عدد المزارعين، وفي كمية الإنتاج، للعام 1978. كما نلاحظ ان يارون تأتي في المرتبة الثانية، بين البلدات المذكورة، قبل ان تصبح يارون بلدة مهاجرة بامتياز في فترة لاحقة، وتنسى انه كان هناك فيها 693 مزارعاً.

أما بالنسبة لبنت جبيل، فيبدو الوضع مخيفاً جداً، إذا عرفنا انه في العام 1976 كان هناك 819 مزارعاً في البلدة، وان 798 منهم زرعوا، في مساحة 1958،750م2.

نشير ان قضاء بنت جبيل الذي يضم 37 بلدة وقرية (بزيادة بلدة واحدة) كان فيه 9435 مزارعاً، أما المساحة المزروعة فكانت 17,740,318م2.

من العام 1980 حتى العام 1992 كان عدد المزارعين في بلدات الاتحاد كما يلي:

البلدة

1980

1981

1982

1985

1987

1988

1990

1991

1992

بنت جبيل

171

309

420

322

6

6

12

15

18

عيناثا

126

164

184

177

7

6

1

4

3

عيثرون

901

993

994

991

248

84

212

521

495

يارون

674

698

202

548

248

84

212

521

4

مارون الراس

106

124

161

287

44

35

71

92

76

الطيري

115

131

135

131

44

35

71

92

76

كونين

104

135

139

133

44

2

2

1

76

بيت ياحون

22

24

24

25

44

5

6

8

20

عيثا الشعب

523

578

584

600

86

69

188

436

القوزح

34

46

53

75

86

69

188

436

حانين

34

46

53

75

86

69

188

436.

لا تشمل الإحصائية بلدات برعشيت، شقرا، حداثا وصربين، لأنها كما يبدو كانت تابعة من حيث التبغ لمراقبة تبنين. ونلاحظ ان عدد المزارعين في المنطقة أخذ يتزايد بعد الاجتياح،خاصة وان الأمر الواقع قد فرض، وكان المواطنون مضطرين للعودة مجدداً لزراعة أرضهم.

بعد ثلاث سنوات من هذا الوضع الذي شهدته زراعة التبغ، حصلت نقلة نوعية جديدة، وأشارت الصحف إلى الوضع المستجد، فذكرت أنه «بعد جفوة طويلة جاوزت عقداً من السنين، عادت زراعة التبغ تملأ على المزارع دنياه، بعدما خيّبت آماله الزراعات البديلة، بمقدار ما خاب رجاؤه بالروزنامة الزراعية الرسمية، التي فشلت في تحصين مواسمه من غزو السلع المستوردة المنافسة، فراح ينهض لهذه الزراعة العائدة بكل جوارحه، وما تملكه يداه، مستنفراً كل أفراد العائلة».

وبعد أن تعديلات طرأت على أسعار التبغ، جعلت المزارعين يعودون مجدداً لزراعتها، ولم يقتصر الإغراء على المزارعين، بل راحوا يوسعون للتبغ ما أمكن من مساحات.

طبعاً لا ينطبق هذا الأمر على كل البلدات، والمسالة كانت نسبية، خاصة وان موسم سنة 1996 أصيب بأضرار معينة، إثر العدوان الإسرائيلي الذي حصل في ذلك العام، تحت اسم «عناقيد الغضب»، وأكثر البلدات التي تأثرت سلباً هي تلك المحاذية للشريط، وهي حالياً ضمن اتحاد البلديات وهي: شقرا، برعشيت، حداثا، رشاف وصربين، وقد طالب المزارعون وزارة المالية وإدارة الريجي ان «تحسّنا الأسعار، وتستمرا في تقديم أسعار تشجيعية، وخصوصاً لمزارعي المنطقة الجنوبية، الذي أصيبت مواسمهم العام الماضي (سنة 1996)، إذ اضطروا إلى ترك مشاتلهم في أثناء العدوان الإسرائيلي في نيسان، فتلف معظمها، ولم تعوّضهم أي جهة خسائرهم».

واستمر الوضع على هذا النحو تقريباً، ودون أية تغييرات جذرية، حتى التحرير.

بعد التحرير

مجلس الوزراء اللبناني، قد اتخذ قراراً برصد مبالغ الدعم في الموازنة العامة، اعتباراً من سنة 2000، بعد ان قرر رفع الرسوم الجمركية على التبوغ المستوردة في العام 1999، الذي أثّر سلباً على إيرادات الريجي، وحدثت إشكالات معينة، وتبين ان عملية تسليم موسم سنة 2000 ـ 2001 ستتأخر، وقد لا تتم العملية بهدوء.

وفي تموز سنة 2002، اتهم رئيس النواب نبيه بري، وزارة المالية بمحاولة القضاء على زراعة التبغ، ودعا لإعلان حالة طوارئ اقتصادية، مطالباً بوقف تصفية الحسابات والحروب الصغيرة: «بدل ان تماشي وزارة المالية، خلال الحكومات المتعاقبة في العهد الجديد، أو عهد ما بعد الطائف، مشروعات الإدارة، تراها تنفذ خطة ممنهجة، لتصفية زراعة التبغ، وكأنها اقتنعت بدراسة صادرة، سخيفة للأسف، بالتعاون مع هيئة حكومية ترى أن لا جدوى اقتصادية من الاستمرار في هذه الزراعة، ولا بد من التأكيد على أننا لا نسمح بتصفية زراعة التبغ، ليس لأنها الزراعة المشتهاة، أو التي يمكن للبنان المنافسة من خلالها، بل لسببين أو أكثر:

الأول: انها زراعة حلال، يكسب من خلالها العاملون فيها تعبهم بعرق جبينهم، وهي تمثل عملاً سرياً كاملاً عائلياً، قامت بأود آلاف العائلات في لبنان منذ الاستقلال إلى اليوم.

الثاني: ان لبنان شهد تصفية ممنهجة للحرير، ومنذ قديم الزمن، ولم تلمس أي بدائل منذ الاستقلال، لتلك الزراعة الصناعية.

الثالث: لأن المزارعين كانوا الأسرع في الاستجابة لإلغاء الزراعات الحرام.

الرابع: إلا أننا نعرف تصفية هذه الزراعة من دون بديل عملي، هو خدمة جلّى الآن، وخصوصاً لإسرائيل، وللعوز في لبنان.

وعليه، فإننا نطالب، بدل صرف الجهد على محاولة وضع اليد على إدارة الحصر، بأن تبادر الحكومة إلى تنفيذ توصية مجلس النواب، في جلسة الاستثنائية التي انعقدت في بلدة بنت جبيل، بتاريخ 31/5/2000».

إن التراجع الذي كانت قد شهدته زراعة التبغ، خاصة في منطقة الشريط السابق، عادت وتطورت تدريجياً، إنما بنسب متفاوتة، كما نلاحظ من خلال إحصائيات سنة 2003

البلدة

عدد المزارعين

المساحة المزروعة

البلدة

عدد المزارعين

المساحة المزروعة

بنت جبيل

50

189 دونماً

بيت ياحون

15

61 دونماً

حانين

50

189 دونماً

الطيري

3

8 دنمات

عيثا الشعب

687

2503 دونم

عيثرون

851

3299 دونم

عيناثا

103

396 دونماً

القوزح

31

109 دونمات

كونين

15

54 دونماً

مارون الراس

110

405 دونمات

يارون

103

392 دونماً

برعشيت

54

188 دونماً

شقراء

61

210 دونمات

المجموع

3087 مزارعاً

11979دونم.

هذه الإحصائية تفتقد ما لدى بلدتي رشاف وصربين. ونلاحظ كيف ان عيثرون ثم عيثا الشعب تتصدران اللائحة، أما بنت جبيل فالزراعة تتراجع.

تأثير حرب تموز على تبغ منطقة الاتحاد

كان وضع الزراعة في أفضل أحواله عندما شنّت إسرائيل عدوانها على لبنان، وكان هناك قسم من المحصول قد تم قطفه وتنشيطه وتوضيبه، والقسم الآخر كان يزال في الأرض، بعض الحقول أتلفت بكاملها، خاصة كما حدث في خراج مارون الراس، عيثرون، عيثا لاشعب وغيرها (وكل البلدات الأخرى في القضاء وغيره).

بعد انتهاء العمليات الحربية، ظهر كم تضررت هذه الزراعة، إن في الحقول، أو في المنازل التي تهدمت، وأكثر من ذلد ما خلّفتها القنابل العنقودية التي نشرها العدو في كل المناطق، والتي أودت بالعديد من المدنيين، من المزارعين والفلاحين والرعاة، وحتى من أفراد القوى التي شاركت في نزع هذه القنابل.

ولرؤية وضع الزراعة في بلدات الاتحاد خلال موسم سنة 2006 نورد الإحصائية التالية:

اسم البلدة

عدد المزارعين

المساحة المسبوح بزراعتها

كمية الإنتاج

بنت جبيل

47

170,350 دونم

1700 كلغ

عيثرون

851

3299,00 دونم

329940 كلغ

عيناثا

104

394،00 دونم

39400 كلغ

مارون الراس

109

393،150 دونم

39315 كلغ

يارون

97

365،100 دونم

36510 كلغ

الطيري

13

45،00 دونم

4500 كلغ

كونين

21

70،00 دونم

7000 كلغ

بيت ياحون

17

67،450 دونم

6745 كلغ

عيثا الشعب

686

2525،00 دونم

252500 كلغ

القوزح

25

91،100 دونم

9110 كلغ

حانين

5

15،00 دونم

1500 كلغ

شقراء

برعشيت

رشاف

صربي

حداثا

نلاحظ ان أعداد المزارعين استقرت على نفس النسبة،وكذلك في ما يتعلق بالمساحات المزروعة، لكن الإنتاج لهذا الموسم تغير، كما قلنا، بسبب حرب تموز، كما نلاحظ، كما في كل موسم، ان عيثرون تتصدر اللائحة، وتليها عيثا الشعب، بينما عدد مزارعي كل البلدات الأخرى، لا يصل إلى عدد مزارعي عيثا الشعب على سبيل المثال.

خلال العامين 2007 و 2008، نورد الإحصاءات التالية، لننظر إذا كان هناك من تغيير على خارطة زراعة التبغ في المنطقة.

العام البلدة

عدد المزارعين

المساحة

العام       البلدة

عدد المزارعين

2007 بنت جبيل

47

170,360 دونماً

2008 47

170،350 دونماً

       عيثرون

841

329،9،00

         842

3299،00 دونماً

       عيناثا

104

394،00

          104

394،00

       مارون الراس

109

393،150

         111

397،10

       يارون

96

365،100

         96

365،100

       الطيري

13

45،00

         13

45،00

      كونين

21

70،00

         20

70،00

      بيت ياحون

17

67،45

        17

67،45

     عيثا الشعب

686

2525،00

        686

2525،00

      القوزح

25

91،100

        25

91،100

حانين

5

150،00

        5

15،00

شقراء

برعشيت

رشاف

صربين

حداثا

نلاحظ ان الأوضاع لم تتغير، باستثناء تراجع طفيف، طال عدد المزارعين في بلدة عيثرون، حيث تراجع العدد من 851 إلى 841، أي بنقص 10 مزارعين. حيث تلك الفترة، كان مزارعو التبغ في المنطقة «يحالون تغطية بعض الخسائر التي أصابتهم جرّاء العدوان الإسرائيلي الأخير، وهم يتوسلون كل طريقه من أجل سد هذا العجز المعيشي، الذي سيصيبهم، في ظل غياب التعويضات الزراعية حتى الآن (2007) من مختلف الجهات الرسمية والأهلية، المحلية منها والدولية».

خلال ورشة عمل خاصة، أقيمت في مركز القضاء، بتاريخ 11 أيار سنة 2007، بمشاركة منظمات المجتمع المدني، لمعالجة موضوع إعادة التأهيل والتنمية، تبين ان عدد العائلات المقيمة شتاء في بلدة عيثرون هو 1000 عائلة، أما عدد العائلات المشتغلة بالتبغ فهو 853 عائلة، بنسبة 85%، وأن عدد العائلات المقيمة شتاء في بلدة عيثا الشعب هو 1000 عائلة أيضاً، وان عدد العائلات المشتغلة بالتبغ فيها هو 712 عائلة، بنسبة 71%، أما في بقية قرى التبغ فالعدد شتاء 2200 عائلة، والعائلات المشتغلة بالتبغ هو 755، وبنسبة 34%.

أما في بقية البلدات فالعائلات المقيمة هي بحدود 9000 عائلة.

إن النتيجة التي يتوصل لها مزارعو التبغ، بعد كل ذلك، هو القول: نعم لمرارة التبغ، بانتضار بدائل آمنة، زراعية وغير زراعية، وتمكين النساء والرجال، بحيث يتشجعون على إعادة النظر بخياراتهم الزراعية والمعيشية.

بالرغم من الواقع، فإن بعض المزارعين، في بعض الأماكن، يعبّرون عن ارتياحهم لوضع الزراعة ومردودها، مع إبداء ملاحظات حول بعض الأمور الواجب توفرها.

وفي موسم سنة 2009، يلاحظ «عودة حوالي عشرة آلاف عائلة في قضاء بنت جبيل، لتدخل دورة جديدة في حياتها المعيشية، بانطلاق موسم جديد لزراعة التبغ، التي تشكل أحد مصادر الدخل الرئيسية لمعظمهم… ويوجد في المنطقة 3300 رخصة لزراعة التبغ، التي تمتد على حوالي 15000 دونم، وتأتي في مقدمة البلدات التي تزرع اثنتان من بلدات الاتحاد وهما عيثرون وعيثا الشعب، (إضافة إلى بلدة رميش التي تحتل المرتبة الثالثة).

ويشار إلى انه يضاف إلى العشرة آلاف عائلة، التي تزرع تبغاً، «حوالي خمسة آلاف عائلة أخرى، تعمل بشكل جزئي في هذه الزراعة، إما عن طريق الأجرة، أو عن طريق استئجار الرخصة، أو ضمان الأرض».

حول موسم التبغ سنة 2011، فإن الملاحظة ان إنتاج الجنوب بشكل عام تناقض، وذلك من 5200 طن قبل حرب تموز إلى 4300 سنة 2011، وكانت حصة عيثرون وعيثا الشعب مع رميش بحدود 18 مليار ليرة لبنانية.

إن الزواج الداخلي تراجع بشكل كبير، وذلك لأسباب عديدة، منها الاستقلالية الاقتصادية للفرد، مما يسمح له باختيار الزوجة التي يريد، بغض النظر عن القرابة والعائلة…، وارتفاع المستوى التعليمي، بسبب انتشار المدارس بشكل مضطرد، وارتفاع المستوى الثقافي، بسبب الانتساب إلى الجامعات في مراحل لاحقة، والاطلاع على وسائل الإعلام، المكتوبة أولاً، ثم المرئية، إضافة إلى تراجع سلطة الآباء على أبنائهم لأسباب عديدة، وإلى حرية الرأي والتفكير، ومعرفة الأحزاب، والانتساب إليها، أو الاطلاع على أفكارها…

السمة الثالثة للزواج، هي الزواج الخارجي، وهذا الزواج يمكن أن يكون مع العائلات الأخرى في نفس البلدة، أو مع عائلات في المنطقة، أو حتى أبعد منها، امتداداً إلى خارج الوطن.

هذا النمط من الزواج أصبح رائجاً بشكل كبير، بعد التواصل بين البلدات، وتطور طرق المواصلات، والحضور إلى الأسواق، ويبدو واضحاً، انه كلما تقدم المجتمع اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، ضعفت تقاليد وأحكام الزواج على النمط القديم، وقويت علاقات الزواج مع الخارج، والإحصائيات في البلدات تدلّ على ذلك.

وإذا ما أخذنا بلدات الاتحاد كعينة على سبيل المثال، نلاحظ مدى التزاوج الذي أصبح بين العائلات الكبيرة في بنت جبيل، وبين أبناء وبنات بنت جبيل مع أبناء وبنات عيناثا، عيثرون، مارون الراس، يارون وشقرا.

كذلك بالنسبة لعيثرون، حيث يزداد التزاوج مع أبناء وبنات بنت جبيل، بليدا (خارج الاتحاد)، مارون الراس، وهكذا بالنسبة لكونين مع بيت ياحون وبنت جبيل، وبرعشيت وشقراء (وصفد والجميجمة خارج الاتحاد)، وبين حداثا وحاريص وعيثا الجبل… وبين رشاف وصربين وبيت ليف وحداثا.,

وتطورت علاقات الزواج، وأصبحت مع معظم المناطق اللبنانية، التي يتواجد فيها مسلمون شيعة، حتى في بعلبك والهرمل وجبيل، والضاحية الجنوبية.

أما الزواج من أجنبيات فنسبته كبيرة، خاصة فيما بتعلق بالشباب الذين ذهبوا للتعلم في دول المنظومة الاشتراكية سابقاً، وخاصة من أبناء شقرا، عيثرون، بنت جبيل، أو بأبناء المنطقة الذين هاجروا إلى ديار الاغتراب، خاصة في أميركا، أستراليا، كندا، أوروبا الشرقية والغربية وغيرها.

لكن هناك ملاحظة، يتفق عليها معظم المهتمين بالدراسات الاجتماعية، أن عدداً مهماً من الزيجات من أجنبيات، تشوبها شوائب عديدة، وتؤدي إلى الفشل،مع ما لهذا الأمر من آثار سلبية على الأولاد، الذين غالباً ما يلتحقون بأمهاتهم، وليس بآبائهم.

ظاهرة الإكثار من الأولاد

كون المجتمع في المنطقة زراعياً، فمن الطبيعي، وفي ظل بدائية العمل سابقاً، وعدم وجود مكننة، ولأن المجتمع الزراعي يحتاج إلى يد عاملة مهمة، فإن ظاهرة الإكثار من الأولاد في المجتمع كانت واضحة تمام الوضوح، حتى إذا كانت المرأة عاقراً، فإن ذوي الزوج يعمدون فوراً لتأمين زوجة بديلة لابنهم، وأصبحت هذه المهمة في عهدة الزوج لاحقاً.

إضافة إلى ذلك، فإن الزوجة كانت ترغب في الإكثار من الأولاد، فهؤلاء هم بمثابة الوتد، الذي يريط الزوج بالزوجة، مع العلم أن بعض الأزواج كانوا يتجاوزون هذا الأمر، فيتزوجون من أكثر من امرأة، وهناك أشخاص في المنطقة لديهم بين 15 و25 ولداً، لكن نسبتهم قليلة، أما الذين لديهم ما بين 5 و10 أولاد،ً فنسبتهم كبيرة، وخاصة في البلدات التي يغلب عليها الطابع الزراعي.

كما ان الغيرة بين النساء تلعب دوراً في زيادة عدد الأولاد. وهناك مسألة أخرى، وهي انه كما هو معروف، فإن الولد الذكر يبقى الأهم بالنسبة لعدد كبير من الآباء والأهل، فإذا أنجبت الامرأة عدة بنات وراء بعضهن البعض، فإن الامرأة ستبقى تحمل، حتى يأتي «ولي العهد»، حامل اسم العائلة.

يضاف إلى هذه الأمور، أن العائلة الكبيرة هي العائلة الأقوى، وهي العائلة التي يكون منها رئيس البلدية، والمختار، والناطور وغيرهم، لذلك يهتم البعض بالإكثار من الأولاد، ليكون ذلك سبباً في رفعة شأن العائلة، ووصول أفرادها إلى السلطة.

مسألة الطلاق وتعدد الزوجات

الطلاق شرعاً هو أبغض الحلال، وتعدد الزوجات مباح لدى المسلمين عامة، وذلك بحسب ما ورد في القرآن الكريم. لكن هذه المسألة، أي الطلاق، لها ما يبررها أحياناً، كقناعة الزوج بأن عقم زوجته يسمح له بطلاقها، والتزوج من غيرها، كما أن الخلافات التي تحصل لأسباب جوهرية، مهمة، تعطي الزوج أيضاً هذا التبرير، مع العلم أن بعض رجال الدين، يتريثون كثيراً قبل الإقدام على طلاق زوجة من زوجها، وهم يحاولون جاهدين إصلاح ذات البين، وفي بعض الأحيان ينجحون في ذلك، وعندما تقفل الأبواب كلها، يقدم رجل الدين على إتمام العملية.

تطورت مسألة الطلاق، من حيث نسبتها، حيث ازدادت لأسباب عديدة منها:

عدم معرفة الشاب بالفتاة التي تزوجها، لأن الزواج كان «على الصورة» فقط، دون أن يكون هناك معرفة مسبقة، وهذه الحالة تخص بشكل أساسي، الذين هم في ديار الاغتراب.

إن إنجاب المرأة للبنات فقط، يزعج أحياناً الزوج وأهله، الذين ينتظرون له إبناً يحمل اسمه ويرثه، على اعتبار أن البنات سيتزوجن من أشخاص غرباء عن العائلة، وأولادهن لا يحملون شهرة الجد وعائلته.

هناك مسألة برزت خلال الأحداث، وما رافقها من سفر إلى الخارج، حيث أصبح بعض الشباب يفتشون عن فتيات لديهن جنسية في ديار الاغتراب، وتكون غاية الشاب هنا، تأمين تأشيرة سفر قبل كل شيء، حتى إذا تم الأمر، فإن بعض الشباب يقدمون على طلاق زوجاتهم.

وهناك بعض الشباب، كانوا يحضرون من ديار الاغتراب، يفتشون عن فتيات للزواج منهن، حتى إذا تمّ ذلك، وذهبت أي فتاة إلى ديار الاغتراب، فإنها تفاجأ أحياناً بأن من تزوجها، متزوج سابقاً، ويمكن أن يكون لديه ولد أو أكثر، وبعض الشباب يتزوجون فتيات، ويتركوهن في المنطقة، ويحضرون بين الفينة والأخرى، وأحياناً خلال فترات متباعدة، فتحدث الخلافات، ثم الطلاق، وهذا زواج مصلحة كما يسمى.

بالنسبة لتعدد الزوجات، فهي من الأمور التي يمارسها البعض عن قناعة راسخة بها، والبعض الآخر عن رغبة وهواية، ومن المعروف أن الله سبحانه وتعالى، أجاز للإنسان المسلم الزواج «من أكثر من إمرأة» لكن الله قرن هذه المسألة بموضوع العدل، وهو شرط أساسي، ثم قال: «وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة»، ثم قال، «ولن تعدلوا» «صدق».

إن الشيء الملفت للنظر، انه بالرغم من مشروعية هذه المسألة، فإن الرجال، سابقاً، نادراً ما كانوا يتزوجون من أكثر من امرأة واحدة، والسبب في ذلك ان آباء الفتيات، لم يكونوا يوافقون على زواج بناتهم من رجال متزوجين، إلا إذا قاموا بطلاق زوجاتهم، وهذا كان يزيد من نسبة الطلاق.

كما ان مثل هذا الزواج، يسبب في معظم الأحيان، مشاكل بين الزوج وامرأته الأولى، وأحياناً يحدث الخلاف مع الأولاد، ثم مع الأخوة من زوجتين، وينعكس ذلك مستقبلاً على مسألة الإرث، وتقسيم الأرض…

الزواج من امرأة الأخ المتوفى

قديماً، كان الأهل يقدمون على الطلب من إبنهم، التزوج من إمرأة أخيه الذي توفي، وذلك بعد فترة معينة من الوفاة، وكان هذا الأمر يحدث خاصة ضمن العائلات المالكة للأرض، توخياً للإبقاء على الإرث ضمن العائلة نفسها، لأن الزوجة إذا تزوجت من شخص آخر، فإن مهرها من وراء زوجها الأول، يستفيد منه الزوج الثاني، وهناك هدف آخر للعملية، هو الحفاظ على الأولاد، لأن عمهم كأبيهم، يحفظهم ويهتم بهم ويربيهم، وهذه المسألة خفت كثيراً.

الزواج من شقيقة الزوجة المتوفية

لنفس السبب الأخير، الذي ذكرنا، أي رعاية الأولاد وتربيتهم، كان يتزوج الرجل من شقيقة زوجته، في حال وفاة الزوجة، وهذه المسألة لا تزال موجودة ومعقولة، لأن الخالة، أخت الأم المتوفية، تعامل أبناء أختها كأولادها، بعكس الخالة الغريبة، الزوجة الجديدة للأب، التي غالباً ما تحصل مشاكل بينها وبين الأولاد، وينعكس ذلك على علاقتها بالزوج، وبأهله أيضاً.

عادات الأعراس:

ـ بالنسبة لطريقة الأعراس، فهي متشابهة تقريباً بين كل البلدات، فقديماً لم يكن مسموحاً للشاب أن يقرر هو مسألة زواجه من إحدى الفتيات، وكانت النسوة يقمن بالمهمة، لدى أهل العروس، حيث يذهبن في أكثر من زيارة، يتأملن الفتاة، من رأسها حتى اخمص قدميها، يراقبن كيفية استقبالها، وحديثها، وتقديمها الضيافة، وجسمها، إلى ما هناك من الأمور الأخرى، حتى إذا تم التوافق أخيراً على الأمر، فالخطوة التالية تكون الطلبه، حيث يدعو والد العريس وجهاء البلدة، بمن فيهم رئيس البلدية، رجل الدين، المختار، ومعظمهم كانوا من كبار السن، لطلب العروس، بدوره والد العروس، يدعو أقاربه لحضور الطلبه، وعند اللقاء، يعمد رجل الدين أو أحد الوجهاء، بالتوجه إلى والد الفتاة، أو إلى جدّها إذا كان موجوداً، لطلب يدها إلى الشاب، قائلاً: «ان هذه الوجوه، أتت إلى منزلكم، لطلب يد كريمتكم المهذبة فلانه، للشاب المهذب فلان، فإذا كان هناك من نصيب، فنرجو موافقتكم».

ويجيب الجد أو الوالد: «أهلاً وسهلاً بكم، الشاب إبنكم والبنت بنتكم» ثم تقرأ الفاتحة. وإذا كان الشاب والفتاة أقرباء، كانوا يقولون: «زيتاتكم على بصلاتكم» و«نحنا أهل».

بالنسبة للمهر، فهو يطرح بشكل ضمني، وليس أمام «الطلاّبة»، وذلك بين والد العروس ووالد العريس، وأحياناً كان يحصل خلاف حول مسألة المهر، أما إذا طرح موضوع المهر مسبقاً، ورفع والد الفتاة «السعر»، فإنه يعقّد المسألة قصداً للتهرب من تزويج ابنته، كما يقول المثل: «إذا ما بدّك تزوّج بنتك، غلِّ مهرها».

ـ بعد ذلك، يتم الاتفاق على موعد الكتاب، الذي يحضره الأقارب و«المعازيم» من الأصدقاء والجيران، وقد تطورت هذه المسألة تدريجياً، حسب الأوضاع الاجتماعية، والطبقية، وغيرهما…

الدبكة

أهم شيء في الأعراس كانت مسألة الدبكة، التي كانت تتم في الساحة العامة، وتستمر أحياناً لعدة أيام.

حول الدبكة، يدور السؤال من أين أتت هذه الثقافة الشعبية المتداولة في مجتمعنا.

إن الدبكة هي من أهم وأشهر الفنون الشعبية في بلداتنا وقرانا، كونها مصدراً مهماً للترويح عن النفس، وكردّة فعل على الكبت الاجتماعي، الذي كان يعانيه الشباب والصبابا في عادات وتقاليد المجتمع العاملي قديماً، لتكون الدبكة هي الفرصة المناسبة لتلاقي المحبين والعشاق، وسماع أصواتهم.

وبالنسبة لكبار السن، الذين كانوا يشاركون بالدبكة، فإنهم كانوا يثبتون أنهم لا يزالون شيوخ شباب، وهم يبرزون «عياقتهم» خلال «نقلات الدبكة» و«وشوفة حالهم».

من المحللين من ذهب إلى أبعد من تلاقي المحبين والعشاق، «فذهب إلى أبعد من ذلك، في أن «الدبكة تستهلك فائض الطاقة عند الأفراد، كما اللعب عند الأولاد، وذلك عندما يضرب الراقص الأرض بعنف، بدلاً من أن يضرب شيئاً آخر.

هناك رأي آخر، يربط الدبكة بالمراسم الدينية، التي كانت تقام لربات الخصوبة والجنس، مستنداً على أمر جوهري، فحواه أن هذا الرقص الشعبي، لا يقام إلا في مناسبة واحدة هي الأعراس.

وأخيراًً، فإن البعض يعتبر أن الدبكة تلعب وظيفة تكييفية، لأنها تدمج حركات الفرد مع حركات الجماعة، وتنسق بين هذه الحركات، لتخلق الاتساق بين الروح الفردي والروح الجماعي، وهي بالتالي تلغي التناشز والفروقات بين الأفراد، أو هي تفقد حدّتها على الأقل».

المهم، إن الدبكة منذ القديم، كان يشترك بها الرجال والنساء معاً، ويطلقون عليها اسم «فرخة وديك»، وهي حركة تتألف من ست خطوات، في السادسة، يتم ضرب القدم بالأرض بقوة، ويرافقها غناء «على دلعونا»، من شاب أو صبية، والخطوات تتم بشكل دائري، حيث الحلقة تتم من اليسار إلى اليمين.

من «يدبك» عند رأس الحلقة، أي في أولها يسمى: «الحوّاش» أو «لإيّدي»، (من القيادة) أما الذي يدبك عند آخر الحلقة، فيقال أنه «عالجحشه»، وهو يكون عادة من الظرفاء، من خلال الحركات التي يقوم بها.

لا يكون على «الأيّدي» إلا من أتقن الدبكة جيداً، وكان شيخ شباب، يحمل بيده مسبحة، أو محرمية معقودة، أو خيزرانه، وهو يضبط الدبكة بحركة استعراضية، حيث يستعرض خلالها «الدبيكة»، وهناك شخص آخر، يقوم برش المياه من إبريق، بين الفينة والأخرى، حيث يخف الغبار من جهة، ويرتفع صدى ضربة القدم بالأرض، بشكل أقوى من جهة أخرى.

وهناك أيضاً صبية في الوسط تدق على الدربكّة (أو الطبلة)، وشاب يعزف على «الشبابة» أو «المنجيرة»، أو على المجوز، وكل ذلك يتم في الوقت الذي يقوم فيه أحد الشباب أو إحدى الصبايا بالغناء على دلعونا.

بعد الانتهاء من الدبكة، كان العريس يصطحب عروسته إلى المنزل للنقلة، وقديماً، كانت النقلة تتم إلى منزل العريس، حيث لا فنادق ولا منتجعات، وعند وصول العروس إلى بيت عريسها، وتحمل من قبل الصبايا، أو من قبل أحد إخوتها، لتلصق الخميرة على أعلى عتبة الدار، ومن المفروض أن يتم لصق العجينة، لأن الأهل يتشاءمون من عدم لصقها.

بعد النقله بأسبوع، كانت تتم «ردّة الإجر»، أي عودة العروس إلى منزل ذويها، حيث تبقى عندهم ليوم أو يومين، وتحضر معها الحلويات، ثم يعود العريس مجدداً إلى بيت عمّه، ويصطحب عروسته مجدداً، ثم يصطحبها معه إلى منزلة الزوجي.

خلال فترة وجود العروس في منزل أهلها، تختلي عادة بأمها، لتتحدث معها بأمور خاصة بها، وتستفسر منها عن أشياء معينة.

ـ حول الدبكة مجدداً، نشير ان مواسم الدبكة لم تكن في الأعراس فقط، بل هناك مناسبات أخرى، تعقد فيها حلقة الدبكة، خاصة في المزارات، كما كان يحدث قديماً، وقبل احتلال فلسطين، في مزار يوشع (شرقي بليدا).

ـ وبعد موسم الحصيدة، كان الحصادون والحصادات، يعقدون حلقات الدبكة، فرحاً وابتهاجاً بالانتهاء من هذا العبء الكبير.

ـ أيضاً بعد عملية الختان، كان يحصل فرح، وتوزيع حلوى، وأحياناً، كانت تعقد الدبكة، خاصة إذا كان الطفل هو أحد أبناء الوجهاء.

عادات الحزن في المنطقة

يحمل العامليون الحزن في قلوبهم منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً، ومنذ أن عرفوا التشيع، مع أبي ذر الغفاري، كما يعتقد معظم المؤرخين، ومن الملاحظ أن كل الأحزان تتراجع وتخف مع توالي الأيام والسنين، لكن الحزن على الإمام الحسين(ع)، الشهيد في كربلاء، يشتد ويقوى، عاماً بعد عام، منذ الاستشهاد وحتى اليوم.

وزاد في الأمر حزناً، ما حصل للإمام زين العابدين، علي بن الحسين، والسبايا، وفي مقدمتهم الحوراء زينب بنت علي، حتى ان الحداء الذي تحدو به الأمهات لأطفالهن، يركز كما هو معروف على مظلومية أهل البيت.

ثم كان الجور في عهود أخرى، خاصة أيام المماليك، حيث اضطهد الشيعة في أكثر من مكان، وخاصة في كسروان وجبل عامل، وكان الاضطهاد مذهبياً صرفاً، طال العلماء والأهل، وكان عهد الأتراك أسوأ، وكانت التجربة معهم أليمة، وكانت التجربة مع الجزار صعبة جداً، حيث أودت بالشيخ ناصيف النصّار وعدد كبير من رجاله، هذه الحوادث كلها، تركت أثرها العميق في نفوس العامليين، وسائر الشيعة، وشكّلت مأساة كربلاء الإطار العام للمآسي، من هنا، فإن المأثورات الشعبية في جبل عامل، طبعت بطابع الحزن والمأساة، حتى أغاني الفرح ومواويل العتابا، وأبو الزلف وأغاني الأطفال والحدو، عليها كلها مسحه من الحزن، وفيها نعمة أسى.

ـ منذ القديم، تقام في المنطقة ـ وهي تتميز بالمحافظة تماماً على الشعائر الدينية ـ مجالس عزاء أبي عبد الله الحسين(عليه السلام)، ولم يغب رجال الدين عن بلدات المنطقة، وكانوا يوجهون، ويحاولون جاهدين تركيز الأسس والقواعد السليمة، التي يبنى عليها المجتمع المحافظ.

خلال كل تاريخ المنطقة، كان يوجد في كل بلداتها، فئة من المتدينين، الذين كانوا يلتفّون حول رجال الدين، ويقيمون معاً المجالس الحسينية.

يبدو من خلال، ما كان يتداوله كبار السن في المنطقة، ان الأتراك كانوا يضّيقون على الشيعة، عندما يعمدون إلى عقد مجالس كربلائية حسينية، لكن الأهالي كانوا يقومون بإحيائها سرّاً.

واستمّر الأمر كذلك، إلى حين عاد بعض كبار العلماء من النجف الأشرف إلى المنطقة، وفي مقدمتهم المقدس الشيخ موسى شرارة، الذي أسس مدرسة دينية، ضمت عدداً كبيراً من طلاب العلوم الدينية، الذين تابعوا تعليمهم في النجف، ثم أصبحوا من كبار علماء جبل عامل.

وقد تم تنظيم مجالس العزاء، وطلب من القرّاء تلاوة السيرة بالشكل المعقول، دون أية مبالغة.

مجالس العزاء كانت تقام في الجوامع، قبل أن يصبح هناك حسينيات ومجمّعات ومراكز… وكان الناس يشاركون في عمل الهريسة، وفي الاستماع للسيرة، في اليوم العاشر.

في الليالي العشر، كان الأولاد يجوبون الطرقات بعد المغرب، يحملون المشاعل أو الشموع، أو الأسرجة، التي صنعوها بأنفسهم، ويقولون:

آه يا مذبوح آه
كيف لا أبكي بجهدي
كربلا ما ذقت كرباً وبلا
أيَّ شريعة حلّلت

يا مغسّل بالدّما
والحسين بْكربلا
مالكِ عند أهل المصطفى..
قتل الحسين بن علي

ـ وحول الموت، الذي كان عزيزاً فيما مضى، أي انه نسبته كانت قليلة لدى كبار السن من الفلاحين والمزارعين الأقوياء، باستثناء فترة الحرب الأولى، والوباء الذي حصل، والذي كان كثيراً بالنسبة للأطفال الصغار، لأسباب صحية، ومعيشية، وجهل، حتى انهم كانوا يقولون: «ما في معيشة إلا بعد الدشيشة» (أي الحصبة)، فإن الحزن كان يبدو أعمق وأقوى، وكانت ترافقه عادات عديدة، مثل:

• الشباب كانوا يصنعون محملاً، (عبارة عن نعش صغير)، يزيّنونه بالأزهار والورود، ويغطونه بشرشف من الحرير، يجوبون الطرقات، وذلك بالقول والندب، وهذا الأمر يتم عادة قبل تشييع الجنازة.

• الرجال كانوا «يهدّون» «العقل»، أي يلبسون «الحطّات» أي «الكوفيات» بدون «عِقْل»، وأحياناً كان الرجال يستبدلون الحطّات البيضاء، بأخرى سوداء.

• خلال الأيام الثلاثة الأولى بعد الدفن، كان الأهل يقدمون الطعام، وإذا لم يكن بمقدور الأهل القيام بذلك، فإن الأقارب كانوا يعينونهم على الأمر.

• كان الأهل «يحدّون» أربعين يوماً، أي يمتنعون عن القيام بكل الأفراح، وعن أكل اللحم، ودق اللحم كبة على البلاطه,

• كان الرجال أيضاً يطلقون شعر اللحى، حتى ذكرى الأسبوع، أو حتى الأربعين.

• على القبر، كانوا يضعون شادراً، على شكل خيمة، ويتم قراءة القرآن على الميت لأكثر من ليلة، وذلك من قبل قارئ أو اثنين، وهاذان القارئان يبقيان ليل نهار عند القبر، وعلى أصحاب العزاء تأمين الفرش واللحف والمياه والطعام والشاي لهما.

• ذكرى أسابيع الناس العاديين كانت متواضعة، بحيث يكون هناك قراءة قرآن ومجلس عزاء، أما إذا كان الميت وجيهاً، زعيماً، كبيراً، فإن للشعراء وللأدباء دوراً في إحياء الذكرى، من خلال قصائدهم وكلماتهم.

• بالنسبة للنسوة، فعند موت أحدهم، كُنَّ يضعن عصبات سوداء على رؤوسهن، وكُنَّ يتنّيلن (أي يذيبون النيلة وبضعونها على وجوههن)، أو يتشحّرن (أي يقلبن الدست الأسود، ويطلين وجوهن بالشحار).

• يومياً كُنَّ يذهبن إلى المقبرة لزيارة الميت، وقراءة الفاتحة عن روحه.

• يوم الأسبوع، كُنَّ يجتمعن في مكان مخصص لهُنَّ، بالقرب من الجبانة، يعقدن حلقة، ويبدأن بالندب، والقول، والرقص بالسيوف.

 

أشهر الخيّالة في المنطقة

ـ بنت جبيل: نايف بزي، محمد حسين الحوراني، حسين شامي، عبد الحميد أيوب، محمد علي أسعد بيضون، سليمان جابر بزي، نعمة هيدوس

ـ بيت ليف: علي نصر الله.

ـ عيثرون: علي حسن عباس، علي فرحات.

ـ الطيري: أسعد إبراهيم.

ـ كونين: سعيد مهنا.

ـ كفرا: الشيخ عبد الله عز الدين.

ـ ياطر: موسى سويدان.

مربو الخيل:

بنت جبيل: الحاج حسين الحوراني، الحاج عبد الحسين بزي.

عيثرون: إبراهيم الحاج علي عباس.

برعشيت: الحاج علي عاشور.

كونين: الحاج حسن مهنا.

بيت ياحون: السيد حسين.

بيت ليف: علي نصر الله.

يارون: السيد علي ضاهر.

حانين: الحاج شيعي.

ياطر: الحاج محمد سويدان.

 

لعبة السيف والترس، كانت تمارس كمبارزة بين خصمين، يحمل كل منهما سيفاً وترساً، والمكان يكون ساحة البلدة أو القرية، وأمام المتفرجين، يصول المتباريان ويجولان، بحركات كرّ وفرّ، وبرشاقة وخفة حركة. هذه المبارزة، كانت تمارس في مناسبات الفرح، كالأعياد والأعراس.

ـ الرقص بالسيوف، كانت عادة النساء عند الجبّانات، حزناً على الموتى.

ـ لعبة الفروسية: كان لميدان الخيل في جبل عامل ألعابه المتنوعة، كاللعب بالرمح والجريد (عصا تطلق باليد كالسهم)، إلى جانب القيام بحركات بهلوانية، يؤكد بها الفارس، على ظهر فرسه، عن قدرته ورشاقته.

اهتم العامليون بهذا اللون، لما للخيل من أهمية بالغة في السلم والحرب، وفي كل بلدة من بلداتنا، كان هناك مكان مخصص كميدان للخيل، كالبيادر مثلاً.

الطبّ العربي

لم تعرف المنطقة الأطباء إلا بعد الثلاثينات، وقبل تلك الفترة، وحتى بعدها، عرفت المنطقة أشخاصاً، ليسوا هم بأطباء، لكنهم كانوا يمارسون «الطب العربي»، يجوبون القرى، يحملون محفظة من خشب، فيها بعض العقاقير، ويصفون الوصفات العربية للمرضى، وكانوا يمارسون هم بعض الأعمال المعينة لشفاء المرضى مثل:

• الكي للشفاء من داء العصبي.

• التحجب أي سحب الدم عن طريق فتح جرح في الظهر.

• التبن الخشن المغلي على النار مع الماء، لمن هو مصاب بنزلة صدرية حادة، حيث يغمر جسمه بالخليط، ويغطى بغطاء ثقيل.

• كاسات الهوا، تستعمل للشفاء من الاحتقانات الرئوية (التهابات في الرئة).

• التداوي بالأعشاب خاصة البابونج، الطيون، العيزقان أو المرمية أو القصعين، الطيون لمداواة الجروح، البابونج للنزلة الصدرية.

• شوشة العرنوس، الذرة الصفرا، ومحلول البقدونس ضد الرمل والحصى.

• الخبيّز ضد الالتهابات في المجاري البولية.

• الدبس والتين ضد الإمساك، تبعاً للمثل القائل: «عندك دبس وتين، وجع المصارين».

• الوشم على الصدعين، للشفاء من وجع العينين، وهذا الأمر تحول إلى زينة، كأن يتم الوشم على اليدين، أو الظهر أو السواعد، حيث يتم وشم سيف ذو الفقار، أسماء الأئمة، اسم الحبيب.

المآكل الريفية

المآكل قديماً، في البلدات العاملية، كانت تعتمد أساساً على الحبوب، خاصة الحمص والفول والعدس، والقمح الذي يتم تحويله إلى سميد كبّة، سميد فلفلي (للطيخ) وسريسيرة، أما طحين السميد فيستعمل «لترويج» العجين قبل خبزه.

من المآكل التي عرفها الأهل والأجداد: بقلة الحمص، بقلة الفول، كبة العدس، كبة البطاطا، رشتاية العدس، كبة حيلة بحامض، كبة حيلة ببندورة، مغربية، لبن إمّو، لبنية برز، زقاليط، كبّة بالصينية، كبة مطبوخة باللبن، كمونة بندورة، فريك، سايط، هريسة، (رصاص عزرائيل، كبة منسوفة (لقطين وحمص)، رز مفلفل، عصافير مكتّفه، بقلة سميد، مقلّى (خبيزة + عنّه+ حميضة + شومر). كشك، علت.

أما الحلويات فكانت: تين شريحة، تين دحروب، دبس تين، دبس عنب، دبس خروب، وزبيب.

عادات متفرقة

ـ صيبة العين، كان الناس يعتقدون بصيبة العين، التي لا تصيب الأولاد فقط، بل أي شيء آخر في المنزل، يمكن أن يلفت النظر، فيبدي شخص ما استغرابه منه، فيحدث السوء.

إذا أصيب ولد بعين إحداهن، فإن الأهل كانوا يحاولون إحضار قطعة قماش من أثر الامرأة، التي يمكن أن تكون هي التي «صابت بالعين»، ومن أجل ذلك، كانوا يسكبون رصاصة للولد، للتخلص من العين.

وكانوا يقرأون «الرقوة» وهي تعاويذ، فيها أدعية معينة، وأسماء أنبياء وأولياء، والمرأة التي تمارس «الرقوة»، كانت تضع يدها على رأس الولد، ويلاحظ انها تتثاءب عدة مرات، وتؤكد ان الولد عليه عين، وهي تقطّعها.

ـ إذا مرّ الناس في أماكن معتمة، أو قرب آبار، كانوا يقولون: بسم الله الرحمن الرحيم، لأن فيها حسب اعتقادهم جنّ.

ـ إذا سكَبَت المرأة مياهاً ساخنة خارج المنزل، أو في الإسطبل، ليلاً، فإنها تقول أيضاً بسم الله الرحمن الرحيم، حتى لا تؤذي الجناني تحت الأرض.

ـ الولد إذا «نقز» كانت تتم سقايته من مياه توضع في «طاسة الرعبة».

ـ الوعاء إذا «تنجّس»، يصب عليه ثلاث مرات، بشكل متقطع حتى يطهر.

ـ عند كسوف القمر كان الأولاد يجوبون الطرقات ويقولون:

دشّر قمرنا يا حوت

نحنا بدونو بنموت

ـ إذا طلب أحدهم أن يشرب، وأحضر آخر الإبريق، وشرب هو أولاً، يقال: «يلعن الشارب قبل الطالب».

ـ وإذا قدّم أحدهم المياه لآخر، فإن هذا الأخير بعد أن يشرب يقول: «إن شاء الله بتشرب من بير زمزم».

وأيضاً: «لعن الله من ظلم أبا عبد الله الحسين».

ـ الجرّة الملآنة، كانت تدعو إلى التفاؤل بالنسبة لمن يلتقي بحاملتها، والجرة  الفارغة «الفاضية» فإنها تدعو إلى التشاؤم.

ـ إذا التقى أحدهم بالغنم يتفاءل، ويقول: «الغنم غنيمة». أما إذا التقى بالماعز فإنه يتشاءم.

ـ إذا التقى أحدهم بشخص بعين واحدة يتشاءم.

ـ تعلق حذوة الحصان فوق أعتاب البيوت، وهي ظاهرة عريقة في القدم، ترمز بشكل عام إلى استدعاء الخير، والوقاية من الأرواح الشريرة. والحصان يرتبط بالذاكرة الشعبية بالفحولة والخصوبة الجنسية، فيقال عن الرجل القوي انه «مثل الحصان».

ـ المرأة بدورها تشّبه في بلداتنا بـ«الفرس»، والرجل بالفارس، ولذلك يقال ان «الفرس من الفارس»، أي أن الرجل هو الذي يتحمل المسؤولية، فإذا كان منزله عامراً، مضيافاً، كريماً، يقال انه هو السبب، مع العلم ان في ذلك افتئاتاً على المرأة، حيث أنها هي التي تدفع أحياناً زوجها باتجاه أن يكون بيته مفتوحاً، كريماً، مضيافاً… وإذا كان الرجل عماد البيت وأساسه في العمل، وفي تحصيل المال، فإن للمرأة دوراً مهماً في رعاية الأطفال وتربيتهم، وتأمين كل ما هو مطلوب داخل البيت، فكيف يكون الأمر، وقد أصبحت المرأة تعمل جنباً إلى جنب مع الرجل، وفي كل الحقول والميادين، الاجتماعية والاقتصادية، والتربوية والتعليمية، لكن ينقصها في المجتمع ان تنهض أكثر، وتشارك مشاركة فعلية في العمل البلدي، ومجالاتها كثيرة، من خلال الندوات والمحاضرات والتعاونيات والجمعيات وغير ذلك.

كذلك يقال ان «كل امرأة تعرف خيالها»، وهذا يؤدي إلى نوع من التطابق في وجهات النظر، بين الرجل والمرأة.

في نفس الإطار، يقولون عن المرأة المتزوجة «المُحْصِنَةْ»، ولا يُعرف سبب ذلك، فإما مصدرها الحصان (أي ان حصانها زوجها)، أو من «الحصن»، أي انها منيعة لأنها متزوجة، أي محصّنه.

ـ هناك ما يعرف بـ«النذر»، وهو موجود في كل المجتمعات، ويدفع كنقود، أو ثياب، ويوضع في أقفاص المزارات، ويدفع النذر بشكل أساسي، في مقام السيدة زينب، أو السيدة رقية في دمشق، أو في مقامات الإمام الحسين والعباس في كربلاء، أو في مقام علي بن موسى الرضا، أو أخته المعصومة في إيران، (في مشهد وفي قم).

كما كانت توضع النذور في مزارات المنطقة العاملية، كتلك التي كانت توضع عند قبر الشهيد في مارون الراس، على الحدود مع صلحا، وعند تينة النبيّة في ساحة النبيه ببنت جبيل (وكان يقال أن هناك مزاراً للنبي مالك)، وعند مزار بنات يعقوب في محلة السجرة في شقرا، وفي مقام الخضر في بلدة يارون.

ـ مسـألة الجن والجناني في المنطقة، كانت ماثلة أمام الأعين, ولسنوات ثلاثين خلت، حيث كان الناس يظنّون ان أماكن معينة، في البلدات والقرى، يسكنها الجن، خاصة خلال الفترة، ما قبل دخول الكهرباء إلى المنطقة، وتطور العمران، وتوسعة الطرقات.

وكان يزيد التفكير بالجن وجود زواريب معتمة، وخرائب غير مسكونه، وعيون بعيدة عن السكن، والجن نوعان: مؤمن وكافر، والمؤمن هو دائماً عبارة عن أنثى، ويدعونها «صالحة»، ويؤكد الكثيرون في السابق، أنهم رأوها، حتى في بيوتهم، أو في أماكن أخرى متفرقة، وهي ترتدي الثياب البيضاء.

حتى الستينات من القرن الماضي، كان الأولاد، يجتمعون في حي الديوان، المواجه لبلدة مارون الراس، بالقرب من الجامع الكبير في بنت جبيل، ويظنون أنهم يستمعون للزغاريد، في الأعراس التي تقيمها الجناني عند آبار: بيرهارا: عين هارا، وترتيلا..

ـ بالنسبة للأحياء، فإنها كانت في السابق، عبارة عن أحياء عائلات بذاتها، الأقارب يسكنون بالقرب من بعضهم البعض، بداعي القرابة، والحماية، والمساعدة، والرحمية، أي قرابة الرحم.

والأحياء كانت تسمى باسم العائلات التي تسكنها، أو باسم معالم معينة، كالعين، أو البركة، أو المسلخ، أو حسب الطبيعة الجغرافية.

ـ الاستخارة بالمسبحة:

الاستخارة بالمسبحة، يعتقد بها الكثيرون، ولذلك، فإنهم يستخدمونها للتخلص من مسألة التردد، التي يمكن ان تمنعهم من اتخاذ القرارات بشكل حاسم.

يتم اعتماد الخيرة، عادة بواسطة «المسبحة» أو«السبحة»، بحيث يتم فصل بعض الحبّات، دون معرفة عددها، ثم يبدأ الشخص بنقل الحبات إلى جهة اليمين، حبتين حبتين، فإذا بقي في النهاية حبّة واحدة، فالخيرة تكون إيجابية، وتعني «إفعل»، وإذا بقي حبتان، فإن الخيرة تكون سلبية، وتعني «لا تفعل». ثم أصبحت الخيرة تتم بأشكال متعددة، وكلها تصب في نفس الاتجاه.

ـ الأمهات، يحرص على تعليق خرزة زرقاء في ثياب أطفالهن الصغار، كحرز أو أحجية، حتى لا يصاب الأطفال بالعين، أو «بالنقزة»…

ـ إذا وقع الملح على الأرض، أو الخبز، فإنهم كانوا يعملون على «لمّه»، بكامله، فهو نعمة من الله يجب المحافظة عليها، ويقولون: «يجب أن تلموا الملحات برموش عيونكم».

ـ «حروف» أرغفة خبز الصاج، لم يكن الأهل يسمحون بتركها، خاصة كبار السن، من النسوة، اللواتي كن يحوّلن هذه «الحروف» إلى طعام بسيط، يسمى«بومّلَيْح»، وسمي بذلك، لأن الملح يضاف إليه، إضافة إلى المياه والزيت.

ـ الأهل كانوا يحذّرون أولادهم من عدّ النجوم في الليل، تحاشياً من إصابتهم بـ«التالول» أو «الفالول» بأيديهم، وللتخّلص من ذلك، هناك وصفات عربية عديدة، ومعظمها يؤدي النتيجة المطلوبة، حسب ما يذكر الكثيرون.

ـ إذا رأوا نجم «أبو ذنب» يسقط من السماء، فإنهم كانوا يتشاءمون من ذلك، فهو يدل أن كارثة ستحصل.

ـ وإذا حدث كسوف للشمس، فإنهم كانوا يقولون: «أو على ظالم، أو على عالم» يعني ستكون نهاية واحد منهما.

ـ ليالي الشتاء، كانت حول الموقد الذي تغذيه «القرامي» (حطب أشجار حرجية)، ويسهر الجميع على ضوء السراج، أو على ضوء اللوكس، إذا كانت تحسنت الأحوال المعيشية جيدة، وكما أن النار فاكهة الشتاء، فإن الحكايات الشعبية في السهرات، كانت هي الأخرى حلو الشتاء، فهي تزيد من حلاوة سمر الجلسات وطيبها.

أما أهم الحكايات، فكانت من قصص: أبو زيد الهلالي، عنتر عبس وعبله، قيس وليلي، ألف ليلة وليلة، قصة عقاب، قصص جرجي زيدان وغيرها…

ـ للإمام علي عليه السلام موقع في قلوب محبيه، من شيعته ومن آخرين، من المعجبين بشخصيته المميزة عبر التاريخ، موقع لا يضاهيه فيه أحد، بسبب الصفات المتميزة التي كان يتصف بها الإمام، وصي رسول الله(ص)، وحامل راية الإسلام، والمدافع عنه، وقاتل عمرو بن ودّ العامري، والعادل، الشجاع في موضع الشجاعة، واللين في موضع اللين، وما ساقه عنه طه حسين، وعباس محمود العقاد، وبولس سلامة وجورج جرداق وغيرهم، هو غيض من فيض من مكارمه.

من هنا فإن ذكر أبي الحسن، باسمه وصفاته، تظل ماثلة على الألسن، خاصة لدى القيام بأي عمل، أو أي جهد، فإذا أراد أحدهم رفع العمدة: ينادي يا علي… يا أبا الحسن، وإذا نزل إلى الميدان للمبارزة، ينادي علّياً أيضاً، ويقول «يا داحي باب خيبر».

إذن شخصية الإمام لدى محبيه تتعدى الشخصية التاريخية الحقيقية، إلى الإمام الذي يعيش في وجداننا وتراثنا العاملي، والمعروف انه تدور حول الإمام قصص وحكايات، وخاصة حول ولادته في الكعبة المشرفة، وبطولاته، نومه في فراش النبي، ليلة هجرة الرسول إلى المدينة، وانتصاراته على أعدائه، وأعداء الإسلام في كل معارك النبي مع المشركين، ومسألة سيف الإمام «ذي الفقار».

وتبعاً لذلك يذكر كبار السن، كيف كان أحد النادبين يسير أمام الناس ويقول:

سال المنازل سالها
أضحت خوالٍ دارسٍ
يا دار وَنْ أهل الكرم
والمرجلي تنعي «علي»

عن ساكنين رمالها
تنعي الوحوشْ بْأطلالها
لو زمجرت أبطالها
راعي الحرب نزّالها

ـ هناك المناظرات الزجلية، وهي من العادات والتقاليد العاملية القديمة، وكانت تؤدّى بين زجّالين اثنين، ارتجالاً، وأهم هذه المناظرات، هي تلك التي حصلت بين «محمود حداثا» من بلدة حاريص، ورجل آخر يدعى «داود»، أثناء حفلة ختان، لأحد أولاد قاضي قرية طير شيحا، في شمال فلسطين، في أواخر القرن التاسع عشر، حيث أخذت طابع التحدي، وخاصة ان الشاعرين من طائفتين مختلفتين، وهذا ما زاد من أهميتها في نظر عامة الشعب، الذين حفظوا أشعارها عن ظهر قلب، وتناقلوها عن بعضهم البعض، وكادت المناظرة تنتهي بقتال، بعد أن أحسّ داود بالهزيمة، أمام محمود، لكن المناظرة انتهت أخيراً بسلام.

ومثل هذه المناظرات، لم تكن تتم إلا بين أشخاص لديهم قدرة على القول، وموهبة تؤهلهم للارتجال وسرعة البديهة.

ـ في أكثر من مكان من المنطقة، كان هناك أشخاص ظرفاء، يشتهرون بالتقليد، لديهم قدرة وموهبة متناهية في هذا المجال.

ـ وهناك أشخاص كانوا يتحلون بروح المرح والدعابة، كانوا يشتهرون بالقدرة على فن «المقالب»، التي يلزمها ذكاء، وقدرة على نسج قصص، تجعل بعض الآخرين يصدّقونها، وتكون بالتالي من نسج خيالهم.

أيام البيادر

لأيام البيادر، وما قبلها في القرى الريفية حياة شيّقة وحلوة، فبعد اصفرار حقول القطانة ويباسها (العدس والباقية والكرسنة وغيرها)، يبدأ موسم الحليشة، وهو أول موسم من مواسم الحصاد، وهذا العمل لا يحتاج إلى مناجل أو مقاطع، بل الأيدي هي التي تتولى حصاد حقول القطانة، وذلك بسبب قصر سيقان العدس والباقية والكرسنة، وضعف تكوينها، وسهولة اقتلاعها، لذلك تتولى الحليشة فتيات القرية لا فتيانها، وصباياها لا شبابها، وقد يشارك بذلك كبار السن.

ثم تأتي أيام تجميع «الفريك»، أي السنابل المليئة بالحبوب، التي لا تزال خضراء، والفريك من أهم أنواع المونة.

وبعد الاصفرار الكامل تأتي أيام الحصيدة، وأيام زمان كانت الحياة تدبّ في الحقول،التي تموج مع كل نسمة، وتبدأ الحركة في كل مكان، حيث ينتشر الحصادون والحصادات في هذه الحقول، التي كانت لفترة صامتة، خرساء، تنتظر من يدب فيها الحركة والحياة.

سواعد قوية تشارك في هذا العمل الشاق، خاصة في أيام الحرّ، وبالأخص إذا كان الشهر رمضان، حيث يضطر العاملون ان يعملوا، وقلوبهم حرّى، وشفافهم عطشى، وهم يتحملون ذلك، ويحاولون إجتزاء يومهم، فيعودون إلى منازلهم مع أذان الظهر.

وبعد الحصاد، تجمع الأغمار (جمع غمر)، وتترك لعدة أيام، حيث يأتي الفلاحون باكراً، (على الندى، أو ندوية، حتى لا تتساقط السنابل بالتحريك)، حيث يبدأون بالرجيدة، وتتحول الأغمار إلى بنادك (جمع بندك)، وكل بندكين هما بمثابة حِمْل جمل، يربط بحبال البابير المنقوع بالماء لتليينه.

الجِمال تنقل البنادك إلى البيادر، وكانت كثيرة في القرى، بعضها خاص بشخص، بعضها بعائلة، وأخرى هي مشاع، للجميع.

ثم يأتي دور الأولاد، وهم يدورون على النورج (أو المورج)، يمسكون الحبل بيد، والعود الذي ينهرون به الثور أو الحصان بيد أخرى، حتى إذا أخذ وجه الطرحة (القمح المدروس)، بالاندراس، جاء الرجال يقلبونها بالشواعيب، وهكذا حتى يتم فصل الحبّ عن القشر، تمهيداً للتذرية، ثم تعبئة القمح.

بعد أن أصبحت الحليشة والحصيدة والرجيدة والبيادر أشياء من التراث، لا وجود لها إلا نادراً، لأن الزراعات تغيّرت، والآلات حلّت مكان الأيدي العاملة الفاعلة في الأرض، فإن الفلاحين هجروا الأرض إلى المدينة، أو إلى الخارج، كذلك انتهت هذه العرائس التي كانت تحدث في كل موسم مماثل في هذه الحقول، وانتهت الأغاني المرافقة والزغاريد والأهازيج، وكلمة «شمالتك» التي كانت تقال لمن يأتي زائراً إلى الحقل، ويدعى إلى تحريك منجل في هذا الاتجاه أو ذاك، تعبيراً عن مشاركته، ولو قليلاً في هذا العمل الجميل، الذي إن دلّ على شيء، فإنه يدلّ على نوع من الألفة والمحبة والتعاون.

ولشدة تأثر السيد حسن الأمين بحيوية البيادر أيام موسمها، وشدة تأثره بانتهاء موسمها، يذكر أنه في إحدى السنين، نظم قصيدة ودّع فيها البيادر، ووقف على أطلال القمح وآثار الخيام، وذكريات الناس، وهو لا يذكر من قصيدته سوى بيتين فقط، حيث أنسته الأيام سائرها، ومع أنها من شعر الصِّبا غير الناضج ـ كما يقول ـ فما أسف على شيء، كما أسف على انه لم يحفظها بين أوراقه، لتكون صورة حية من صور المواقف العاطفية.

أما البيتان فهما:

خلت البيادر بعد طول عجيج
لا سامر الأحباب ثمة سامر

ومحت بها الأيام كلّ ضجيج
أنساً ولا ليل الهوى ببهيج

أما اليوم فقد خلت البيادر بعد طول عجيج، لا خلوّا إلى حين، بل خِلوّاً في كلّ حين!

اترك تعليقا

You must be logged in to post a comment.