صورة مفقودة

عيتا الشعب – عملية الرضوان وحرب تموز 2006

عيثا الشعب سنة 2006 وعملية الرضوان
عيثا، كغيرها من البلدات الجنوبية، عاشت فترة ما بعد التحرير حتى سنة 2006، وكانت مزهوة بأهلها، وأبنائها العائدين، وفرحت شوارعها وساحاتها وحقولها بهؤلاء، الذين كانوا يعوّضون ما فاتهم خلال فترة الاحتلال المشؤوم، من لحظات الأنس والفرح والسهر والسمر…
ويطلع صباح (صباحات تلك الأيام)، فتملأ أرجاءها أصوات السيارات، وهدير الآليات، كل يذهب إلى عمله، وهناك عمال المعامل ومصانع الحجارة، وهناك معلمو البناء والعمل، مع ما لهم من ضجيج يكسر الصمت، ويخفق السكون، فصارت هذه الأصوات، على إزعاجها، جزءاً من حياة البلدة، فلا يبدي أهلها انزعاجاً أو انفعالاً، وأكثر من ذلك، فإن فقدانها يدعو إلى التساؤل والاستهجان والاستغراب، فهذه عادة القرى والبلدات، وتقاليد أهل الريف، وأكثرهم عمال وفلاحون ومزارعون، ينحتون الصخر، ويزرعون الأرض، بحثاً عن الرزق وقوت اليوم، ولا تكاد تشرق شمس، إلا والناس قد انغرسوا في بساتينهم وحقولهم، خاصة، وأن عيثا، كما هو معروف، بلدة زارعة للتبغ بامتياز، رغم حكاياتها المليئة بالمرارة، فبين ابن عيثا وشتلة التبغ تاريخ طويل، ولذلك لا يمكن للأهالي أن يتخلوا عن هذه الزراعة، لأنه لا يوجد خيار آخر أمامهم.
إن الحق يقال، ان لشتلة التبغ حقاً على الناس، حتى ولو كان العمل بها مضنٍ وشاق، فلولاها لما عمّرت منازل، ولا زوّجت نفوس، ولا حجّ حاج، واعتمر معتمر.. هذه الأحاديث نسمعها ممن عملوا بهذه الزراعة، ويعرفون فضلها ونتاجها.
هكذا، وبينما كان الناس منكبّين على أعمالهم وأشغالهم، بهدف تأمين رزق عيالهم، وفي صباح يوم الأربعاء، في الثاني عشر من شهر تموز سنة 2006، استفاقت عيثا من شرودها، وصحت من سكرتها، وذلك على أصوات رهيبة، راحت تخترق المسامع، وتضجّ في الآذان، إنها أصوات ألفوا سماعها منذ زمن بعيد، أصوات أزيز الرصاص ينبعث من «خلّة ورده»، مروراً بالحدب والراهب، وختاماً في ثكنة برانيت، وهذه مواقع حدودية، تفصل ما بين لبنان وفلسطين، ترى ماذا حصل؟.
ويأتي الجواب من المقاومة الإسلامية، من قيادتها، حيث أعلنت الجهوزية والتعبئة العامة في صفوف مجاهديها، ترقباً لأي عدوان يقوم به العدو الإسرائيلي، رداً على نجاح المقاومة بخطف جنديين صهيونيين في منطقة «خلّة وردة»، الحدودية (وهي منطقة زراعية تابعة لأراضي عيثا الشعب).
أهالي عيثا الشعب، كانوا يواكبون الحدث عن قرب، تقدمت دبابة إسرائيلية في منطقة الراهب إلى الحدود، غربي عيثا، باتجاه الأراضي اللبنانية، فتصدى لها مجاهدو المقاومة، ودمّروها وقتلوا من فيها، وهكذا بقيت الأمور على حالها، من ترقب ودهشة، وانتظار ما سيحدث من تطورات، خاصة أن الأوضاع كانت تسير بشكل دراماتيكي، يختلف عن كل المرات السابقة، التي كانت تحدث فيها مواجهات بين المقاومين والعدو، وقد بدت في الأفق ملامح عدوان إسرائيلي جديد، يفوق بوحشيته المرات السابقة، حيث كان أول ردّ فعل إسرائيلي، قصف الطرق في البلدات الجنوبية، كرميش ويارون ورشاف والسلطانية، في محاولة لقطع الطريق على السيارة التي نقلت الأسيرين الصهيونيين، كما أغار الطيران الحربي على الجسور التي تربط محافظة النبطية باقضية صور وبنت جبيل وحاصبيا…
وفي المقابل، وسّعت المقاومة الإسلامية دائرة استهدافها للمراكز العسكرية الإسرائيلية، فضربت موقعي العدوّ في جلّ العلام والمشيرفة البحرية، باستخدام المدفعية والأسلحة الصاروخية، مما أدى إلى تدميرهما بشكل كامل.

هواجس الحرب، ليلة الثاني عشر من تموز في عيثا
إن القصف الصهيوني للمواقع الحدودية لعيثا الشعب، المحاذية لفلسطين المحتلة، في ليلة الثالث عشر من تموز، لم يكن متواصلاً طيلة الليل، نعم القنابل المضيئة لم تنقطع حتى الصباح، وفي الفترة التي كان الهدوء والسكون يخيمان على أرجاء البلدة، لم يكن الصمت الناتج عنهما أكثر أماناً وطمأنينة لأبناء البلدة، فقد رافق ذلك هواجس وقلق، من محاولة العدو التوغل على حين غفلة من رباط المقاومين، على الدور والبيوت، والانتقام من أبناء البلدة، ذبحاً وقتلاً، على غرار ما فعله الكيان الغاصب في بلدة حولا، وغيرها من القرى، من مجازر بحق أهلها الآمنين، بهذه الهواجس وغيرها، نام أهل عيثا متوجسين من الصبح القادم، فهل يا ترى سيسفر عن القرار بالحرب، أم ماذا؟. أم سيأخذ العدو بكلام سيد المقاومة، الذي نصحهم بعدم التهور والحماقة، وخاصته، بعد أن أعلن أن المقاومة مستعدة لكل الخيارات، «فإن أرادوها حرباً فلتكن، وإن أرادوها سلماً فلتكن».

العدو يتخذ قراره بالحرب
في المعتقد اليهودي نبوؤة تقول: «إن رياح الشرّ تأتي من الشمال»، وهكذا كان العدو يستعد لحرب جديدة على لبنان، بعد هزيمته سنة 2000، وهكذا فالرياح التي هبّت من شمال الكيان العبري، وكانت قاسية على العدو، وعلى الولايات المتحدة الأميركية، جعلت هذه الأطراف تعمل على تصفية الحساب مع المقاومة.
أجمع كبار قادة العدو، أولمرت رئيس الوزراء، ورئيس الأركان دان حالوتس، ووزير الدفاع بيرتز، وغيرهم من القادة الأمنيين والعسكريين، وبعد مناقشات ومداولات طويلة، وحادة، على شنّ الحرب على حزب الله، مستفيدين من الدعم الخارجي للحرب، خاصة الأميركي والغربي، بالرغم من أن اختلافاً في وجهات نظر القيادات السياسية والعسكرية الصهيونية، برزت حول طريقة إدارة الحرب.

المقاومة ترد على العدوان
لم يطل ردّ حزب الله على الاعتداءات الإسرائيلية، التي طالت البشر والحجر والشجر، وجاء ذلك سريعاً وفاعلاً، وفي عمق الكيان الغاضب، محولاً مستعمرات الشمال في فلسطين المحتلة إلى جهنم، حيث تمّ إطلاق عشرات، بل مئات الصواريخ، واعترف العدوّ بسقوط إصابات في صفوف عسكرية، ومدنية، بين قتلى وجرحى، وهذه مسألة لم يألفها العدو، فلأول مرة تطال الحرب الجبهة الداخلية في الكيان الصهيوني، وتهجّر المستوطنون، الذين جاؤوا إلى هذه الأرض، واغتصبوها، وقد وعدتهم الحركة الصهيونية بالرفاه والأمن.
إن صواريخ المقاومة قضّت مضاجع هؤلاء، وأرغمتهم على النزول إلى الملاجئ والمخابئ، خوفاً وهلعاً، ولأيام عديدة، فيما غادر البعض المستوطنات إلى أماكن أخرى.
هكذا كان ردّ الحزب قوياً، وبعد أن أعلن قادة العدو، أنهم دمّروا معظم منصّات صواريخ المقاومة، تبين أن وتيرة إطلاق الصواريخ استمرت على ما هي، وأكبر، وهذا ما كشفه الأمين العام لحزب الله أخيراً، حيث توهمت «إسرائيل» انها قصفت منصّات الصواريخ، وكانت مخطئة تماماً في توهّمها، لأن المقاومة كانت منتبهة لما يخططه العدو في هذا المجال.

نزوح أهالي عيثا
لم يكن وارداً في أذهان أهالي البلدة الخروج منها ومغادرتها، خاصة، انهم، تاريخياً، انغرسوا فيها كأوتاد الجبال، صامدين لعقود من الزمن، وخاصة خلال فترة الاحتلال الصهيوني لمنطقة الشريط الحدودي، وكانوا يعتبرون ان سلطان عدوان تموز، لن يكون أقوى من سلطان الظلم والعدوان والتعسف، ومحاولات التهجير التي تعرضوا لها، في السنوات التي سلفت.
بهذا الإيمان والعنفوان والتحدي، بقيت عيثا الشعب تفيض بأهلها، الذين يزيد عددهم على الخمسة آلاف نسمة، في الأيام الأولى للعدوان، بالرغم من أن القصف بقي متواصلاً على خراج البلدة، وفي المواقع المتاخمة للحدود، كالراهب والحدب وبرانيت وخلة وردة، بينما كان أهالي عيثا في حالة من الترقب، لما ستؤول إليه الأمور والأحداث، خاصة وأن وتيرة العدوان اتسمت بالتصاعد، شكلاً ومضموناً.
ثم علت أصوات أبواق من خلف مواقع العدو، تنادي، وبلهجة مألوفة (باللغة العربية)، أهالي البلدة، بترك منازلهم، ومغادرتها، والرحيل، إما إلى خارج البلدة، أو التجمع عند خراجها، في منطقة تسمى بـ«المرج الشمالي»، وإلا ستقصف البيوت، وتدمّر فوق رؤوس أصحابها وسكانها.
هذا النداء أوجد حالة من الذعر والرعب والخوف لدى سكان البلدة، فحصلت حركة غير اعتيادية، بين الأهالي، حيث اضطروا للانتقال بوسائل النقل كافة، من سيارات وباصات وغيرها، لكن إلى أين تمّ الذهاب؟
كانت الحيرة تعلو وجوه الأهالي، وسرعان ما انحسمت وجهة السير، وكانت باتجاهين، الأول نحو بلدة رميش المجاورة، الواقعة شرقي عيثا، أما الثاني، فكان نحو الشمال، وتحديداً نحو صور وصيدا وبيروت،.
الوجهة الأولى، أي إلى رميش، كانت أكثر أماناً، وعبّرت عن حالة اجتماعية قديمة، تربط البلدتين، ببعضهما البعض، أما الوجهة الأخرى، إلى الداخل اللبناني، فإنها كانت محفوفة جداً بالمخاطر، لأن القصف الصهيوني كان يتصاعد، ويطال كل شيء، وهناك قلة قليلة من الأهالي بقوا في منازلهم، وعانوا الأمرّين، والتحق عدد منهم خلال فترة الهدنة، بذويهم في بيروت.
أما المقاومون، المجاهدون، فقد بقوا صامدين في مواجهة العدو، وكانوا إلى جانب إخوانهم المقاومين، من غير أبناء البلدة، وكانوا كلهم عازمين على المجابهة بأي ثمن من الأثمان، والدفاع عن عيثا حتى آخر قطرة من دماءٍ، تجري في عروقهم، معاهدين الله، سبحانه وتعالى، وقائد المقاومة، وقيادتها، أن لا يتركوا مواقعهم، حتى يلقّنوا العدو درساً قاسياً، لن ينساه أبداً، وليكونوا بالفعل الأمل للأهل والأبناء، ولينتصروا على الصهاينة، ويعود الأهل إلى أرضهم، والمزارعين إلى حقولهم، أعزاء كرماء، مرفوعي الرؤوس، من دون قيد أو شرط، أو منّة من أحد.
لقد سطّر الأبطال أروع وأجمل صور الصمود والتضحية، والتي قلّ نظيرها، مما أذهل العدو، الذي أصيب بالخيبة واليأس، خاصة بعد أن حاول عدة مرات دخول عيثا (الساقطة عسكرياً)، لكنه كان يمنى بالهزيمة تلو الهزيمة، فيلوذ جنوده بالفرار، جرّاء التصدي له من قبل أبطال المقاومة، من أبناء عيثا، وإخوانهم، وبقيت عيثا عصّية على العدو، طاهرة، نقيّة من دنسه ورجسه.

بعض من مشاهد الصمود في عيثا الشعب
بعد أن ترك معظم أهالي البلدة منازلهم، لم يبق إلا المقاومون، وبعض الأهالي، الذين أبوا إلا البقاء في الأرض، والصمود فيها، والتشبث بحبات التراب في كل شبر من أرضها، ولم يكن يخيفهم استمرار القصف الهمجي على المنازل والدور، بل بقوا صامدين بعزم وإيمان.
إن الصمود الرائع لأهالي عيثا لا يكفيه دفتر مليء بالأوراق، لأن كل حي، وكل حارة، من أحياء البلدة وحاراتها، تمثل صفحات من أسطورة الصمود، وملحمة البقاء.
جلس الحاج وهبي سرور، وإلى جانبه توسّدت زوجته، التي أقلقها غياب ولديها، في ساح الجهاد والمقاومة، وحولهما تحلقت بناتهما وبعض الجيران، وهو يحدثهم مفتخراً، ونشوة النصر بادية على محياه، عن قصة «الميركافا» في عيثا، وتحديداً في تلة الراهب، قال الحاج، وهو يبتسم: «هذا هو الجيش الذي لا يقهر!!!، مضيفاً: «لم يستطع العدو، منذ أيام المجابهة الأولى، ن يسحب دبابته المحترقة جرّاء قصف المقاومة لها، من المنطقة اللبنانية الفاصلة بين عيثا وتلة الراهب، وهي مسافة لا تعدو أمتاراً، وفي حي «أبو لبن» يلفت الانتباه منزل صغير، فيه الحاج محمد عباس سرور، وقد أبى النزوح عن البلدة، بالرغم من بقائه وحيداً، بعد أن غادرت عائلته إلى بيروت، فتجد بين يديه بعض شمعات، للإسراج في الليل، وان تأملت محيّاه، تراه نحيلاً، داكن اللون، نخره الضعف، ولوى الدهر ضهره، تراه هناك في منزله راقداً، رغم تعرض هذا المنزل للقصف والتصدع.
أما في حي الشرابيك، الذي يعرف بـ«حي الرجم»، فيطالعنا هناك منزل الأستاذ علي دقدوق، والذي ألحّ عليه أبناؤه بضرورة الذهاب مع أبناء البلدة النازحين، لأن الوضع خطير جداً، فأبى النزوح هو وزوجته، أم حسين، وكان يقول لبعض أبنائه: «ورثت بندقية قديمة تعرف بالانكليزية، فيها عشرون طلقة، فأي إسرائيلي يحاول التقدم باتجاه داري، سوف أرديه قتيلاً، ولن أترك منزلي، وقد ختم لهذا الأستاذ المعلم بالشهادة، إثر غارة جوية شنّت على منزله.
وهكذا، لو صعدت إلى أعلى الجبل، الذي فيه حي الرجم، ستجد أيضاً من أبى النزوح، أمثال الحاج محسن القرن، والحاج أحمد حسين طالب سرور، وإذا ما غيّرت وجهة سيرك باتجاه الضيعة، وكل عيثا ضيعة، وهي الأحياء الممتدة من المسجد الوسطاني في البلدة، المعروف بمسجد الإمام الحسين(ع)، إلى الحارة الفوقا، ستسمع حكايات وحكايات، إذا أردنا ان نسطّرها، وان نعطيها بعض حقها، فاقل الواجب أن تكتب بماء الذهب، لتخلّد في عقول وأذهان الأجيال القادمة، وإذا أردنا أن نذكر بعضاً ممن ستخلّد أسماؤهم، وعلى سبيل المثال لا الحصر، وخاصة من خُتم لهم بالشهادة: الحاج رضا رضا، الحاج أحمد عبد النبي، الحاج حسن رضا، والحاج أحمد رضا ووالدته، وغيرهم من شهداء الغدر الصهيوني، فهؤلاء جميعهم أبوا المغادرة، وفضلوا الصمود في بيوتهم، تحت القصف الشديد، والدمار الهائل، الذي أحدثته غارات الطائرات الحربية، والقصف المدفعي العنيف، الذي طال الحجر والشجر والبشر، ولم يبق شيئاً.

المواجهات العنيفة بين رجال المقاومة وجنود العدو في تلال عيثا الشعب وأحيائها
من الخطأ ان يتبادر إلى الذهن، أن ميعاد عيثا الشعب مع العدو الصهيوني، في ساحة الميدان، الآن، أي بعد عشرين يوماً من الحرب، فمن أرضها انطلقت الشرارة الأولى، وفيها تحقق الوعد الصادق، رجال الله في عيثا شغلوا بجهادهم العدو والإعلام، وأدهشوا بأسطورة قتالهم وصمودهم أعتى قوة في المنطقة، عدة وعدداً، وقد تحولت ربى عيثا وتلالها ووديانها، إلى مقابر لجنود العدو، ففيما سنرويه في هذه العجالة، هو بعض من قصص المواجهات البطولية، التي يمكن القول أن سر ملاحمها هم ليوث عيثا الكرام.
أ ـ أسماء التلال والأماكن التي تمت فيها المواجهة بين أبطال المقاومة وجنود العدو:
عيثا الشعب، كما هو معروف، اشتق اسمها من «الشّعب»، بسبب كثرة التلال والشعاب فيها، وهي بلدة رابضة على عدد من التلال ومنها:
الحارة الفوقا، أبو لبن، الرجم أو الشرابيك، وكلاهما حي واحد، الدواوير، الشميس، المطلّ.
ب ـ أما الأحياء الداخلية للبلدة فتتوزع على الشكل التالي:
الحارة التحتا، الكراج، حي الساحة أو ساحة البركة، الطريق العام، وهو يشطر البلدة إلى شطرين: جنوبي وشمالي، من الكراج إلى المسجد الوسطاني، والمفرا، المرج، النقيز، كروم الحمر، جلّ النور أو حي الجبّانة، وغيرها من الأحياء والزواريب، التي ضاع فيها العدو، وضاق فيها ذرعاً، عندما دخلها، ظنّاً منه أنها سهلة المنال عليه، أما التلال المحيطة بعيثا، فتتورع شمالاً بين: أبو طبل وأطراف من تلة الرجم، جنوباً: تلة شويط وجزء من الجبل المؤدي إلى تلة أبو لبن، وهنا لم تذكر هذه التلال والشعاب والأحياء، في سبيل تعريف بجغرافية عيثا الشعب، فلهذا مجال آخر للذكر والبحث، إنما ذكرت أسماء هذه الأماكن، لأن أبطال المقاومة في عيثا، سطّروا أروع الملاحم البطولية مع العدو، في كل حيّ وزاروب وتلة فيها، وإليك أيها القارئ بعضاً مما جرى فيها:
ج ـ توزيع المهام والأدوار، وتشكيل المجموعات العسكرية استعداداً للمواجهة:
تشكّلت المجموعات العسكرية من رجال المقاومة الإسلامية في عيثا، وتوزّعت على الشكل التالي:
ـ تلة أبو لبن: وفيها ثلاث مجموعات، هي: مجموعة الشهيد محمد أحمد سرور، مجموعة الشهيد صلاح غندور، ومجموعة الشهيد جعفر المولى، وكلّ عرف مكان مكمنه، والمسؤوليات المنوطة به.
ـ مرتفعات الشميس والدواوير: وفي هذا المحور انغرست مجموعتان، إحداهما ثابتة، هي مجموعة الشهيد عدنان رضا، والأخرى هي مجموعة الشهيد عباس الموسوي، وكانت مهمته الأولى الرّصد، لضرب أي تسلّل يقدم عليه العدو، فيبادرونه، بما لديهم من أسلحة وعتاد وعدّة، بالتصدي له.
أما مهمة الثانية فكانت الالتحام والهجوم على العدوّ.
ـ تلال الرُّجُم: وفي هذا المحور يوجد مجموعتان، وظيفتهما التصدّي لانزالات العدو على التلال المذكورة.
ـ منخفضات المطلّ: وفيها مجموعة الشهيد عبدالله قاسم، ومهمتها الرَّصد والالتحام.
ـ جبل أبو طويل: لم يكن في هذا المحور مجموعات عسكرية، بسبب انكشافه للعدو، وللمقاومة أيضاً، فالمجموعات التي كانت في المحاور المطلّة عليه، تشرف عليه، وهي مزوّدة بمدفع لرصد أي إنزال أو تحرك إسرائيلي.
ـ تلة الراهب: في هذا المحور الحدودي مع فلسطين المحتلة، كان فيه نقطة ثابتة، وهي مزودة بكل السلاح والعتاد.
ـ تلة الحدب: وفي هذا المحور أيضاً نقطة ثابتة للمقاومة، ولم يكن بحاجة لوجود مجموعات، خصوصاً لمحاذاته الشريط، فهو ساقط عسكرياً.
ـ الحارة الفوقا: وفيها ستة مجموعات، توزعت بشكل مناسب، ومتخذة من الدور والملاجئ القديمة دروعاً وحصوناً لها، ومتيقظة لأي توغل صهيوني يحصل.
ـ وسط البلدة: وقد توزع في ذلك المكان عدة مجموعات، ثابتة ومتنقلة، كل مجموعة تعرف وظيفتها وتكليفها المناط بها.
ـ البرثنية: ويعرف هذا المحور بـ«مثلث القوزح، راميت، دبل، وهو يقع شمال غرب البلدة، وفيه مجموعة من المداهمين، مهمتهم الرّصد، والالتحام إن لزم.
هذا بشكل عام، التوزيع شبه التفصيلي لخلايا المقاومين، ضمن تركيبة المحاور، والمجموعات، مع العلم أن هناك تداخلاً في المجموعات والمحاور، والبعض يكون في مجموعة، ثم يلتقي بأخرى، وكذا العكس، وهكذا بالإضافة إلى ان المواجهات في عيثا الشعب، كانت على تنسيق تام مع المجموعات الجهادية، الكائنة في ثغور بلدة حانين، فهناك مرابض صاروخية، أطلقت صواريخ باتجاه الصهاينة المتوغلين في عيثا.
وللتاريخ، يجدر بنا أن نوثّق، ان المشرف العام على التحضيرات العسكرية، والمواجهات الميدانية، هو القائد الجهادي الكبير الحاج عماد مغنية، كما أن سيد المقاومة، كان على اطّلاع متتابع، وتفصيلي لمجموعات المعركة، والمواجهات في عيثا الشعب، لأهميتها الإستراتيجية، فسقوط عيثا، إن حصل، فإنه سوف يحدث ثغرة كبيرة في صفوف المقاومة، هكذا بقيت عيثا الشعب صامدة، عصيّة على العدو وأقزامه، ممن كانوا يسمون بـ«الجيش النخبوي» و«الذي لا يقهر»، فمن محور إلى آخر، ومن ساحة إلى ساحة، ومن تلة وزاروب، إلى تلة أخرى وزاروب آخر كانت المواجهة شرسة، وقد شملَ ذلك كل الأحياء وأنحاء البلدة، ولمدة 33 يوماً، حاول العدو، مراراً وتكراراً دخول ميدان عيثا، مرة بإنزال مظلّي في تلة أبو لبن، وأبو طويل والدواوير والشميس، لكي يحدث فجوة في صفوف المقاومة، ولكن أبطال عيثا كانوا للعدو بالمرصاد، وتصدوا له بالصواريخ والرشاشات وغيرها، وأوقعوا في صفوفه القتلى والجرحى، ومرة أخرى، بمحاولة العدو التوغل بدبّاباته المتطورة (ميركافا، الجيل الرابع)، وهي معروفة لدى الخبراء العسكريين، بتطورها وتحصينها المدرّع.
حاول العدو دخول عيثا من جهة الغرب في الحارة الفوقا، ومن جهة الجنوب، عند الدواوير، ومن جهة مثلث برثنيّة، ومن أي جهة أخرى، كان العدو يظن أنه قادر على الدخول من خلالها إلى البلدة، لكنه كان يمنى بأقسى الهزائم، فأبطال المقاومة كانوا له بالمرصاد، فما إن تتحرك دبابة من دباباته، باتجاه عيثا، فإن المقاومين كانوا يعمدون إلى قصفها، فيدمّرونها، ويقتلون ويجرحون طاقمها.
ومرة أخرى، كان العدو يحاول، يائساً، من خلال مظلييه ودباباته المتطورة، وجنوده المدربين جيداً، والمجهّزين بأحدث أنواع الأسلحة، والمناظير الليلية، والذين تغطيهم الطائرات، تأمين الأهداف المقصودة، والمواقع المستهدفة، للطيارين، ثم الانسحاب الآمن إن ألزم الأمر ذلك، ثم القصف المدفعي العنيف على المنازل والأحياء، تمهيداً لدخولهم أرض المعركة، ومع ذلك كان جنود العدو، من النخبة، يهربون عند أول مواجهة، وعند سماع نداء «الله أكبر» و«لبيّك يا حسين»، يطلقها مقاومون عند الالتحام مع العدو، يصيبهم الذهول والخوف والتصدّع في التشكيلات العسكرية، أما خسائر العدو التي مني بها في عيثا، فكبيرة، بحيث أنه ذاق ذرعاً بها، وهي توزعت بين قتلى وجرحى وتدمير عدد كبير من الدبابات.

تضحيات عيثا الشعب
نعلم تمام العلم، أن طريق الجهاد والمقاومة ليس سهلاً، ففاتورة الحرب والمواجهة، خاصة مع العدو المتغطرس والمتجبّر، والذي يملك أقوى سلاح في المنطقة، ليس نزهة، ولكن هناك فرق بين أن يدمّر البلد على رؤوس الأهل دون رد، ويسقط عدد كبير من الشهداء، وخاصة من المدنيين، وبين أن تقف وتصمد وتقاوم وتجاهد في سبيل الله، لردّ العدوان، بما لديك من قوة، وهذا الأمر واجب وتكليف شرعي إلهي، الفارق كبير جداً، بين أن يدخل العدو إلى أرضك مستبيحاً إياها (وهو لم يستطع تحقيق ذلك في عيثا)، وبين أن تتصدى له، ولا تسمح بتدنيس أرضك، وتم ذلك، لأن هناك ثلّة من المؤمنين برّبهم، نذروا أنفسهم للدفاع عن بلدهم وشعبهم وأرضهم، عاهدوا الله على النصر أو الشهادة، فكان النصر المؤزر في آب، عندما اضطر العدو إلى التمني على المجتمع الدولي، الواهي والمنافق، التدخل لوقف الحرب، لأنه لم يعد يحتمل تكاليف الحرب الباهظة، فصدر القرار بإيقاف الأعمال الحربية.
وجاء صباح الرابع عشر من آب سنة 2006، ليعلن، وبشكل تام، وقف العمليات الحربية، من جميع المحاور والجهات، وخرج المقاومون ليتفقدوا ما تركت مواجهاتهم البطولية مع العدو، من آثار على بيوت الأهل والأقارب في عيثا، والذين كانوا مستعدين للموت من أجلها، وعاد بعض من كانوا قد نزحوا إلى بلدة رميش المجاورة، لاستطلاع الوضع، فكان المشهد مذهلاً، عيثا الشعب دمّرت بالكامل، أحياء بكاملها أزيلت عن الخارطة، الحارة التحتا أصبحت أثراً بعد عين، بعد أن أزيلت بالكامل، فقد أقدم العدو جرافاته العملاقة، وأزال البيوت من أساساتها، وحوّلها إلى ركام،ولم تسلم من غدر العدو وهمجيته ووحشيته دور العبادة أيضاً، التي كان لها النصيب الأكبر من الدمار والخراب.
هكذا بدت عيثا بعد توقف العمليات الحربية، فلو تنقلت بين أحياء البلدة، من غربها إلى شرقها، ومن جنوبها إلى شمالها، سترى كم كانت حرب تموز شرسة وصعبة ومدمّرة.
أما من استشهد من أهل عيثا المدنيين، الذين أبوا أن يتركوا بيوتهم، وينزحوا عن البلدة فهم: الحاج رضا رضا، وزوجته الحاجة هنية سرور، وابنهما الحاج أحمد رضا، الحاج أحمد عبد النبي، الحاج حسن رضا، الحاج علي دقدوق، والطفلتان: كوثر وزينب صلاح جواد، وقد استشهدتا في بلدة رميش، إثر قصف مدفعي.
أما الشهداء المقاومون الذين رووا بدمائهم ارض عيثا الطاهرة، واختارهم الله رفقاء في الجنة فهم الشهداء: السيد يوسف محمد السيد، محمد نعمة رضا، محمد كمال سرور، يونس يعقوب سرور، شادي هاني سعد، محمد موسى سرور، وجيه محمد طحيني، السيد هشم محسن مرتضى، كما ان من شهداء عيثا الشعب، الشهيد القائد محمد وهبي سرور، الذي استشهد في محاور خارج البلدة.
بالإضافة إلى شهداء عيثا الشعب، الأبرار، هناك من دانت عيثا لدمهم الطاهر الذي روى أرض البلدة، وهم من بلدات أخرى، وهم: الشهيد محمود قعيق، الشهيد علي عبد المحسن خليل، الشهيد حسن محمد محسن، وهؤلاء كتبت لهم الشهادة على أرض عيثا الطاهرة..
هكذا، صدق هؤلاء ما عاهدوا الله عليه «فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدّلوا تبديلا» صدق الله العلي العظيم.
وأخيراً، «هنا صاغ تموز الشرق الأوسط الجديد،هنا عيثا، وعيثا قبل تموز تختلف عما بعده، فثمن المجد لم يكن رخيصاً، أقلّه ذكريات لا يمحوها الزمن، وشهداء خلّدوا في الذاكرة.
هنا عيثا، عيثا القرية (البلدة) الجديدة، عمرها بعمر العدوان، شوارعها أصبحت أوسع، بعدما عبّدتها البلدية، وبيوتها أصبحت حديثة بعدما أعيد بناؤها، لا وجود هنا لبيوت الحجر القديمة، طمس التراث منذ زمن، عندما دمّرت آلة الحرب الإسرائيلية بيوت أجدادنا… هكذا أعاد السكان بناء بيوتهم في أماكنها القديمة، على التلة المواجهة للراهب وخلّة وردة، وفوق النقاط التي شهدت أعتى مواجهات، «ليش بدنا نترك الضيعة، أو نعمرّ بمكان ثاني؟، ما منعمر إلا بأرضنا، «جكارة باليهود»… 20 شهيداً، رقم صغير، قياساً إلى ضراوة العدوان على هذه القرية «لأنو في عناية إلهية أحاطت بالقرية»، يقول رئيس البلدية علي سرور: «لم يصدّق الصحفيون الذين عاينوا حجم الدمار، ان 20 شهيداً فقط سقطوا في هذه البلدة، الله حمى الشباب».

أسماء الشهداء
ـ علي محمد علي سرور ـ علي جواد ـ زينب رضا ـ فضل محمد سرور ـ حسن سعد ـ إبراهيم دقدوق ـ عبد الكريم دقدوق ـ محمد أحمد سرور ـ جعفر حسن المولى ـ محمد وهبي سرور ـ شادي سعد ـ يونس يعقوب سرور ـ محمد نعمة رضا ـ محمد موسى سرور ـ وجيه محمد طحيني ـ يوسف محمد السيد ـ حسين قاسم ـ هشام مرتضى ـ محمد كمال سرور ـ علي حسين دقدوق ـ رضا رضا ـ كوثر صلاح جواد ـ زينب صلاح جواد ـ أحمد رضا ـ حسين الحاج عبد رضا ـ أحمد عبد النبي ـ هنية أمين سرور ـ محمد علي محمد علي سرور ـ خليل إبراهيم قاسم.

أسماء الجرحى
ـ حسين علي مرعي قاسم ـ غالب إبراهيم سرور ـ محمد نعمه دقدوق ـ عباس أحمد سرور ـ حسين خليل منصور ـ هيسم محمود سرور ـ محمد أحمد سرور ـ محمد علي رضا ـ علي محمد نجيب باجوق ـ نمر حميد منصور ـ حسان يوسف نصّار.

اترك تعليقا

You must be logged in to post a comment.